آخر تحديث: 8 / 12 / 2021م - 3:39 م

الكتاب المنتج: قيمة معرفية أم ترويج إعلامي!

محمد الحرز * صحيفة اليوم

تأتيني إهداءات كتب عديدة من أصدقاء مبدعين وأحباء عزيزين، بعضها دواوين شعر أو روايات أو قصص وبعضها الآخر كتب فكرية واجتماعية. الأمر يبدو عاديا في ظل تنامي الحراك الثقافي والأدبي الذي تعيشه المملكة، وهو أشبه شيئا بنهضة تطال جميع المجالات العمرانية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

هناك ثقافة جديدة تتشكل، لم تتبلور بعد، لكن بدأت ملامحها تبرز في الآونة الأخيرة، وإحدى وجوه هذه الملامح هو إقبال الجيل الحالي على توثيق تجاربهم الإبداعية والأدبية والفكرية من خلال إصدار الكتب حتى أصبحت فكرة الإصدار ذاتها عند الكاتب أو المبدع، من الأمور الأكثر أهمية من التجربة ذاتها. وكأن مبدع الجيل الحالي دخل في سباق محموم، يطمح فيه للوصول إلى نهاية السباق بأكثر عدد ممكن من الكتب التي تقترن باسمه.

تضخم طباعة الكتب الشخصية والانفتاح على سوق النشر والطباعة تحولت في جزء منها إلى حالة استعراضية، وهذه ظاهرة مقلقة في واقع الأمر، على الرغم مما في جانبها الإيجابي من حيوية وأثر في مسيرة النهوض بالثقافة في رؤية المملكة 2030.

بيد أن ما يزيد من حالة الاستعراض إمعانا هو قابلية الثقافي أن يتحول من خلال الميديا الجديدة إلى منتج متاح للعرض والطلب، بحيث تتحدد قيمته المعرفية في أغلب الأحيان، حسب قوة الترويج له إعلاميا، وحسب عدد المشاهدين له، يتساوى في هذه القابلية الثقافة الجادة والثقافة الجماهيرية، فيمكنك على سبيل المثال أن تضع كتابا كاملا في الفلسفة عبر تغريدات متتالية في تويتر، أو كتابا عن أخبار وفضائح الفنانين والفنانات، فالأهم هنا هو طريقة العرض التي تجذب أكبر عدد من الجمهور، لا للمحتوى وأهميته. لذلك الكتاب تحول إلى منتج استهلاكي في سوق العرض والطلب، وهو منتج سرعان ما يتم تجاوزه، لأن هناك من سوف يحل محله، ويأخذ مكانه، حاله حال أي سلعة أخرى في السوق، تنزل مع الموضة وتختفي معها. سرعة الاستهلاك، سرعة نزول الموضة واختفائها، سرعة التحول والتبدل هي الميزة التي يتسم بها المنتج نفسه ومتلقيه بامتياز.

لكن في فورة هذه السرعة، يمكن إغفال تجارب متميزة أصدرت كتبا مهمة قد تمر مرور الكرام، ولا ينتبه لها أحد.

أعتقد أن حالة الرهبة والخوف والارتياب التي كنت أتوجسها حينما عزمت على إصدار كتابي الأول في بداية التسعينيات من القرن الماضي، وحالي حال أغلب جيلي أيضا، قد زالت تماما عند هذا الجيل، وحل محلها الاندفاعة والحماسة والثقة أيضا، قد تكون الأسباب فضلا عن الجانب النفسي والروحي لكل فرد، هناك أسباب موضوعية تتعلق بوضعية الكتاب بين جيلين وبوضعية سياق ثقافي اختلف كليا بينهما.

أجيال ما قبل هذا الجيل عاشت مع الكتاب في سرية تامة، دون أضواء إعلامية، ودون ترويج إعلامي، ودون استعراض أو ابتذال، وهي فيما تحافظ على سرها من الكشف والذيوع، لا ترى في الاقتراب من الكتابة سوى الاقتراب من شيء مقدس تحوطه هالة من النور لا يحوزها إلا المغامر الجسور.

في المحصلة أنا هنا لا أضفي عليهم صورة تبجيلية إزاء هذا الجيل. لكن أصف هذا الشعور مجازا لأن من عاش هذه الوضعية منهم في ظل تلك الثقافة المغلقة، سوف يشعر بها ويحس بتلك الفروق، سواء كان بعيدا عن الهم الثقافي أو هو قريب منه.

أمامي العديد من الإصدارات الحديثة التي وصلتني من بعض الأصدقاء، ولا أخفي غبطتي الكبيرة التي تجعلني متفائلا كونها أعطتني انطباعا عاما يبدد ما كنت أخشى منه حول ظاهرة تضخم الكتب وارتباطها الوثيق بالتسويق الإعلامي.