آخر تحديث: 5 / 12 / 2021م - 2:20 م

دعوة لمراجعة مفهوم الأمة القومية الوطنية

الدكتور توفيق السيف * صحيفة الشرق الأوسط

أقرأ في هذه الأيام كتاب «حول الوطنية On Nationality» للمفكر البريطاني ديفيد ميلر. وهو قديم نسبياً، فقد نشر في 1995. وتتوزَّع مواده على 7 فصول، في نحو 200 صفحة. وقد أراد المؤلف معالجة قضية راهنة وقت صدوره، ألا وهي اتجاه بريطانيا للتحول إلى دولة متعددة الثقافات، تعترف لكل سكانها بهوياتهم الخاصة، وبما يشعرون حقاً أنهم ينتمون إليه.

لقد نضج الآن هذا المسار، ما يدل على حكمة النخبة السياسية التي تبنته في بداياته. إلا أنَّ موضوع الوطنية والقومية والهوية الوطنية ما زال بذاته مثار جدل حتى اليوم. إنَّ قرار البريطانيين الخروج من الاتحاد الأوروبي مؤشر واضح على صعود التيار الذي يبالغ في الاعتزاز بالذات، «وهو ميل ينصرف بالضرورة إلى انكماش على الذات».

نعلم أنَّ العوامل الاقتصادية هي التي حدَّدت اتجاه التصويت في استفتاء 2016. لكن ينبغي القول، بصورة عامة، إنَّ المجتمع البريطاني يشهد بالفعل صراعاً بين من يدعي أنَّ الأنجلوسكسونية هي الهوية الوحيدة المعبرة عن بريطانيا، وبين طرف آخر يرى أنَّ بريطانيا نموذج للعالم الجديد الذي تلتقي فيه الثقافات والحضارات، ويتعارف فيه البشر ويتشاركون حياتهم، مثل نهر كبير تصبًّ فيه عشرات الروافد الآتية من مختلف الجهات.

وقد سبق أن كتبت عن البروفسور ميلر، وذكرت حينها أنَّه ينتمي إلى شريحة صغيرة نسبياً من أساتذة الفلسفة السياسية، الذين كرسوا جانباً مهماً من بحثهم العلمي، للربط بين النقاشات النظرية المجردة والقضايا المثيرة للجدل في الحياة العامة. والموضوع الذي نتحدث عنه اليوم مثال آخر على هذا التوجه.

يطرح الكتاب مسألة القومية والوطنية، من زوايا تضطر القارئ إلى مساءلة قناعاته السابقة، وربما إعادة النظر في مفاهيم يعتبرها الناس مسلّمات أو بديهيات. أراد ميلر تقديم رؤية تجمع بين مبادئ الوطنية - القومية ومبادئ الليبرالية، وهو يدعو لما يسمى «الوطنية المدنية» أو «الوطنية الليبرالية».

الفرضية المسبقة في القومية هي قبول التمايز بين الأمم، فالمنتمون إلى أي أمة يقررون لأنفسهم حقوقاً لا يتمتع بها أبناء الأمم الأخرى، بينما تنطلق الليبرالية من فرضية أنَّ جميع الحقوق توافقات بين البشر، وليس فيها ما هو امتياز مرتبط بالولادة أو العرق. إنَّ الجمع بين المفهومين يتطلب قراءة ناقدة لكل منهما وتنازلات متبادلة.

نعرف أنَّ مفهوم «الأمة» القديم لم يعد قائماً إلا كعنصر ثقافي، بينما مفهومها الجديد سياسي - دستوري. المفهوم الثقافي عابر للحدود، ولا تترتب عليه أي حقوق سياسية، لأنَّ النظام القانوني للعالم الحديث بني على أرضية اتفاق ضمني، فحواه أنَّ الحدود الإقليمية تشكل خطوطاً فاصلة بين أمم. ومن هنا، فإنَّ مفهوم «الأمة» الحديث يطابق مفهوم «الوطن»، أي مجموع رعايا الدولة، ويطلق على الحكومة اسم دولة الأمة أو الدولة الوطنية أو القومية.

ثمة كثير مما يستحق الشرح هنا. لكني أود استغلال هذه المساحة في الإشارة إلى افتقار المكتبة العربية لدراسات معمَّقة في مسألة الأمة ودولة الأمة، وندرة البحوث التي تهتم بالمعاني الجديدة للقومية والوطن والمواطنة. إني أذكّر بهذا نظراً لشعوري بأنَّ العرب من أكثر الشعوب احتياجاً إلى هذا النوع من الدراسات، فهم يعانون فعلياً من إشكالية العلاقة بين مفهومي الأمة والوطن، ولأنَّ تراثهم الفكري لا يقدم أساساً مناسباً للصيغ الجديدة من هذين المفهومين. وأظنُّ أنَّ افتقارنا لتأسيس فكري وقيمي مناسب لهذه المبادئ الكبرى، يشكل واحداً من أسباب التوتر المزمن، بين التيارات السياسية التقليدية ونظيرتها التي تتبنى منظورات حديثة.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.