آخر تحديث: 27 / 10 / 2021م - 9:20 ص

لقطة عن شاعر «5»

فائق حبيب المرهون *

شاعرنا لهذه السلسلة اليوم غنيٌ عن التعريف، فهو شاعر الأرض والتراب، والتغني بالوطن السليب، محمود درويش «1941 - 2008» الذي رحل عن عالمنا، تاركا فراغا فكريا وثقافيا كبيرا بين جمهوره الذي كان يزحف زحفا لأمسياته الشعرية في عمان أو بيروت أو دمشق أو القاهرة وغيرها.

ولد محمود درويش لأب كان يعمل مزارعا في أرض يعمل عليها، صادرها الاحتلال لاحقاً، وكان خروجه للنور في قرية البروة، بالقرب من ساحل عكا بفلسطين المحتلة، فتَهجَر مع والديه لجنوب لبنان ثم نشأ في حيفا نحو عشر سنوات تحت الإقامة الجبرية فيها، التي ضاق ذرعا بها حتى انتقاله لإكمال دراسته في موسكو، فكان لفقدان الوطن والمكان دوره في تكوينه المعرفي والوجداني.

فامتزج في موهبته الشعرية الفذة مفهوم الثورة على المحتل والغاصب، كما تمازجت لغته القوية والسهلة معا، في دلالة واضحة على ثراءه اللغوي، في كسب المتلقي بكافة طبقاته نحو الصيرورة مع حسه الشعري، طيلة ما يقارب نصف قرن، تنقل خلالها من شعر الثورة والوطن إلى الحب الأبدي وفلسفة التعبير الذاتي، فوصل في رحلته الأخيرة لفضاءات أوسع.

يقول عنه الناقد إلياس خوري « الشعر ماء اللغة، به تغتسل من ذاكرتها وتصنع ذاكرتها في آن معا، تجربة محمود درويش هي ابنة هذا الماء، به غسلت لغتها وجددتها »

كما قالت عنه الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي « هو الشاعر المارد، الذي كلما كبر قلمه، صغر قلبه وبدا كأنه من عليائه يستنجد بنا، ننتظر مزيدا من البكاء على كتف قصائده ».

تميز شاعرنا في مزجه الفريد بين معشوقته وبين حبه للوطن المفقود، فيقول في قصيدة

«أحبك أكثر»:

تكبّر... تكبّر

فَمهما يكُن مِن جفَاك

ستبقَى، بعيني ولَحْمي، مَلاكْ

و تبقى، كما شاء لي حُبنا أن أَراكْ

نسيمُكَ عنبَرْ

و أرضُكَ سكرْ

و إني أُحبكَ.. أكثر

و أنتَ الثرى والسماءْ

و قلبك أخضرْ.

تمايز درويش عن أقرانه الشعراء بكثير، لغة وحواراً وأسلوبا بل وفي الصورة أيضا، التي حملت مضامين عميقة الدلالة، كما أنه كان يجيد فن الإلقاء بشكل رائع، وهذا الفن لا يجيده - بحسب اعتقادي - إلا قلة من الشعراء، ويشهد على ذلك حفلاته وأُمسياته التي ضجّت بها مدرجات جامعات بيروت أو دمشق.

كما إنه تميز بتوظيف الرمز توظيفا إيحائيا جميلا، فهو مثلا يرمز في طائر الحمام، للسّلام المفقود في وطنه، وفي نفسه العليلة أيضاً، فنجده ينشد في قصيدة «يطير الحمام» التي تميزت بلغةٍ شعريةٍ عالية، ودخول أصواتٍ متعددةٍ فيها:

أَعِدّي لي الأَرضَ كَي أَستريحْ

فإني أُحبكِ حتَى التَعبْ...

صباحُكِ فاكهةُ الأغاني

و هذا المسَاءُ ذَهبْ

و أشبهُ نفسي حين أعلّق نفسي

على عُنقٍ لا تعانقُ غير الغَمام

و إني أُحبكِ، أنتِ بدايةَ روحي، وأنتِ الخِتامْ

يطيرُ الحمامُ

يحطُ الحمامُ.

لم يتوقف نبض الشاعر يوما عن الاشتياق لوطنه أبداً، فهو المولد والنشأة، المكان والزمان، والتاريخ الأثير، فمدينة القدس العريقة حين سقطت في حرب يونيو 1967، أضحت لديه مدينة كل الجروح الصغيرة، فنلحظهُ يعيد توليف حكاية الألم وفداء المسيح من أجل الخلاص، مع حالة الموت وقوفاً من أجل النصر، في قصيدة «أُغنية حُبٍ» التي يقول في جزء منها:

مدينةَ كُل الجُروحِ الصَغيرة

يُناجي جَرحي تِلكَ الأميرة

ألا تُخمدينَ يديَّ؟

و ناراً تحتلُ بعدَي

أَلا تبعثينَ غَزالاً إِليَّ؟

حَنيني إليكِ.. اغتِرابٌ

و حُبي إليكِ.... عقوقُ اِبنٍ يَطالُ السحَابْ.

تألم شاعرنا كثيرا لمحاولات طمس القضية الفلسطينية، وما قام به الاحتلال من نهب خيرات وطنه وتهجير شعبه، كما توجع لحالة النكوص والركود للأمة العربية ككل، فكانت شكواه وحسرته نبعا شعريا لا ينضب، بأسلوب بسيط وحيّ، يمتلك ديمومة الجمال والعنفوان الدائم، كما كانت الواقعية المشحونة بالعاطفة رسالة واضحة لمن يهمُهم الأمر، فيقول شاديا في مقطع من ديوان «لا تعتذر عما فعلت»:

لا شَيءَ يُعجِبُني

يقول مُسافرٌ في الباصِ - لا الراديو

و لا صُحفِ الصباح، ولا القِلاعِ على التلالِ

أريد أَن أَبكي

يقول السائقُ: انتظر الوصول للمحطةْ

و ابكِ وحدَك ما استطَعتْ

تقولُ سيدةٌ: أنا أيضاً، أَنا

لا شَيءَ يُعجِبني. دلَلتُ اِبني علَى قَبري،

فأَعجَبهُ ونامَ، ولمْ يودِعَني

أمّا أنا فأقولُ: أنزلني هنا. أنا

مثلُهم لا شيءَ يُعجبني، ولكنّي تَعبتُ

من السَّفرِ.

في مقابلة مع الناقد اللبناني عبده وازن، سأل محمود درويش عن أمه، فقال « إنها أُمي، أنا ابنها المفضل والسبب بسيط.. لأني الابن الغائب، غبت عنها سنوات طويلة ».

و المفارقة أن والدته الحاجة حورية توفيت بعد ولدها الشاعر، بنحو نصف عام في العام 2009، وكانت في لقاءها الأخير معه، تشد قميصه كي لا يتركها ويجري عملية القلب المفتوح، التي أودت بحياته في ولاية تكساس في أغسطس 2008، ولم تتوانى الحاجة عن إحضار تراب من قريتها «الجديدة» لنثرها فوق قبر ابنها الذي دفن بمدينة رام الله الفلسطينية.

يقول في قصيدة «إلى أُمّي» التي حققت رواجا كبيرا:

أَحنُّ إلى خبزَ أُمّي

و قهوةُ أُمّي

و لَمسةُ أُمّي

وتَكبرُ في الطُفولَةِ

يوماً على صَدرِ يومٍ

و أعشقُ عُمري لأَنّي

إِذا متُ،

أخجَلُ من دَمعِ أُمّي.

بالطبع لا يمكن لمن هو مثلي، إعطاء شاعر كبير بقامة محمود درويش، حقه الأدبي والتحليلي، وهو الصرح الكبير، الذي خاض التجارب والمحن، وجرب مرارة الغربة وفقدان الوطن، كما عاش مضاضة بُعد حضن الأم، وهو ذو الموهبة الفذة والذي جعل من شعره محكيا بين الناس، في عصر تراجع فيه الشعر، لصالح الرواية والسينما والإنترنت وغيرها، فبجدارة وصل ليكون أحد أعمدة الشعر العربي الحديث.

و هنا يمكنني - بتواضع - ترشيح بعضاً من قصائد شاعرنا الراحل، التي كان لها وقعٌ خاص عند جمهوره الواسع ونقادّه أيضاً، علّها تروي ظَمأَ القارِئ الكريم، ومنها:

- أَحَد عشَر كَوكَبا

- أنَا العاشقُ السيئ الحظ

- سجّل أنا عَربي

- أنا يوسفُ يا أبي

- في البالِ أغنيةٌ

- لاعبُ النرد

- جداريةٌ

- في بيتِ أمّي

- منفى «1»

- ولنَا بلادٌ

- كنتُ أحبُ الشَتاء.

دمتم بخير وعافية.

معلم
القطيف / أم الحمام