آخر تحديث: 8 / 12 / 2021م - 3:13 ص

عالم تويتر في مجتمعنا السعودي

محمد الحرز * صحيفة اليوم

ليس من السهولة بمكان أن يتمايز عالم تويتر عن القنوات الأخرى في شبكة التواصل الاجتماعي: فيسبوك، واتساب، انستجرام.. إلخ، لأن الفروقات بينها لا تكاد تذكر، إذا كانت الغاية منها جميعا في نهاية المطاف هي تسهيل التواصل بين بني البشر في شتى بقاع العالم.

وعلى هذا الأساس مهما فضلنا هذا على ذاك تظل المهمة الكبرى التي من أجلها ابتكرت هذه القنوات هي التواصل الاجتماعي.

لكن طبيعة المجتمع وطبيعة علاقاته الاجتماعية والاقتصادية والثقافية هي التي تحدد هيمنة هذه القناة أو تلك في شبكات التواصل الاجتماعي، رغم أن هذه الهيمنة لا تلغي الحضور للبقية الباقية من القنوات.

فمجتمعنا السعودي على سبيل المثال برز في أوساطه عالم تويتر باعتباره الأكثر ارتيادا لمختلف فئاته وشرائحه، فالإحصائيات المهتمة بهذه المسألة تلاحظ الإقبال المتزايد من المجتمع من جميع فئاته على الانخراط والتفاعل وإبداء الآراء والتعبير عن كل كبيرة وصغيرة تحدث في المجتمع وذلك ضمن إطار هذا العالم، حتى قيل إن ظاهرة التغريد أصبحت تمثل رأيا عاما للمجتمع السعودي يقاس عليه توجهاته وميوله وحتى رغباته ونزواته.

لكن السؤال لماذا تويتر تحديدا؟

لأسباب تتعلق أولا بالخصائص التي يتمتع بها عالم تويتر، من سرعة في الانتشار وتغريدة لا تتجاوز 120 حرفا وعلاقات متشابكة ومتداخلة بين مستخدميه، ولا حدود تفصل هذا المغرد عن ذاك، وكأنه عالم يغلي تحت مرجل من حركته الدائبة، وسرعته في نشر الأخبار والمعلومة، وهذا ما يتناسب ومجتمعنا السعودي تحديدا، لأنه ثانيا يمر بمرحلة تحولات مفصلية على جميع الصعد والمستويات، وهذه التحولات ذات طبيعة انفتاحية على العالم وما يجري فيه من أحداث مؤثرة لا تنفك يراها تمس حياته اليومية والجديدة في ذات الوقت.

لذلك قد يكون هذا الإقبال على عالم تويتر داخل مجتمعنا السعودي ينطوي على جانبين متعارضين قد يفضي، إذا ما استمرا، في نهاية المطاف إلى إلغاء أحدهما الآخر، فمن جانب هناك الوجه الإيجابي من هذا الإقبال الذي يمنح الفرد السعودي قدرة على قوة التعبير عن الذات في شتى مجالات الحياة، وسابقا لم يكن يملك هذه الخاصية، عالم تويتر أتاح له ذلك، فانعكس ذلك على رسم ملامح شخصية لم تكن واضحة قبلا. شخصية اندفاعية حيث إماطة اللثام عن سلوك يعزز من ثقتها بالنفس.

بينما الوجه السلبي من جانبها الآخر يتمثل بشيوع نوع من الفوضى في التعامل مع جل القضايا التي يواجهها المجتمع، وأصبح الفرد المغرد لا يتوانى في إبداء رأيه في كل شيء، من أسرار الفضاء إلى أسرار البحار مرورا بتطورات الطب، ولا ينسى أيضا في طريقه أن يكون فيلسوفا في لحظات وفي لحظات أخرى شاعرا أو عالم آثار.

هناك وجه آخر، يأتي ضمن هذا السياق في عالم تويتر داخل مجتمعنا السعودي، هو أن بعض الاختصاصيين والمهنيين أصحاب الخبرة الكبيرة في المجالات المتعددة لا يتوانون بين فينة وأخرى يطلون من حساباتهم على غير الهيئة التي انطبعت صورهم في أذهان الناس، فصورة الطبيب مثلا أو الأستاذ الجامعي «المتقاعد» أو المثقف الذي خبر الحياة في أدق تفاصيلها أشبه ما تكون صورة خارج سياقها، أي الخوض في مواضيع عادة ما تكون خاضعة لتقلبات عالم تويتر ومتطلباته التي هي أشبه ما تكون بمتطلبات الموضة لجلب الكثير من المتابعين والمغردين المشهورين لا أقل ولا أكثر. لكن المحتوى دون المستوى، وهناك أمثلة عديدة على مثل هذه المتطلبات، أكتفي بمثال واحد، حين يمتلئ «المنشن» بصور سيلفي لمشاهير وغير المشاهير في أماكن عديدة كالمقهى أو على طاولة الأكل في حالة أشبه بالموج الهادر يسارع من هو في حالة وقار واتزان للخروج عن هذه الحالة.

لست ضد التصوير بالطبع. لكن ضد الانسياق للتفاهة بأشكالها.