آخر تحديث: 5 / 12 / 2021م - 1:11 م

يعبر الشعر ولا ألتفت

محمد الحرز * صحيفة اليوم

لم أستطع أن أميز الشعر حينما عبر أمامي مسرعا إلى الجهة المقابلة من الشارع، ما كنت لأنتبه، ولولا ما قاله صديقي: احذر! لقد سقطت الدهشة من جيبك، وكدت تدوس عليها، لما كنت الآن أجمع نوافذ العالم، وأدعه يتنفس هواء نقيا، طالما لا يزال مسرعا في الجهة المقابلة للشارع.

في منزلي لا يجرب خطواته إلا على أطراف أصابعي، زوجتي تنظر فلا تميز بين رعشة مرضي ولهاثه. هي تجلب لي الماء مسرعة، وأنا أضع على كل أصبع كلمة كلمة، فيهدأ لهاثه ثم ينام.

أحيانا أنظر إلى عينيه الواسعتين فيما هو يتحدث بصوت مرتفع عبر موبايله مع صديقه الشاعر، فأقول متعجبا: لماذا لا أسمع من صوته إلا همهمة؟!

وكلما أحدق أكثر يختفي الصوت تماما. لاحقا عندما كنت أنظف عربات قصائدي من الغبار المتراكم، رأيته مختبئا في إحداها، فعرفت السبب من نبرة الصوت.

أحيانا أخرى يطردني من البيت، في ساعة متأخرة من ليل شديد البرودة، ويغلق دوني الأبواب والنوافذ، ثم يطل علي من سور السطح، ليروي لي حلما واحدا، انتزعه عنوة من نومي، ويقول لي: في داخله خريطة سرية توصلك إلى نومك ثانية، لا تحتاج فيها إلى باب بيتك ولا نافذتك. أكاد أصل، لولا أنني أستيقظ على منبه ساعتي عند السادسة صباحا.

لم يذرف دموعه بين ذراعي إلا مرة واحدة في حياته، فقد كان يتحاشى أن أراه كذلك، وذلك حين أصر أن يفتح الباب بنفسه، بعد طرقات ملحة وسريعة، ليتفاجأ بشاعر مجنون قد بتر إحدى ساقيه أثناء هروبه من فتحة ضيقة لمستشفى الأمراض العقلية، وعندما عاد مهرولا فزعا، قلت: لا تجزع! إنها إحدى قصائدي العامودية التي أودعتها هناك منذ مدة.

نادرا ما يطلب مني أن أدعه يسافر إلى بلدان بعيدة برفقة أيامي، وإن طلب، لا أستطيع الرفض. لا أناقشه في وجهته، ولا في طريقة استعداده، ولا في الاحتياجات اللازمة. فقط أحرص على أن يأخذ معه صندوقا صغيرا جمعت فيه لعنات العالم، وأوصيته:

إذا لم تر الشجرة تنحني على ظلالها من ثقل ثمارها، افتحه..

إذا وهبت نفسك لشاعر أعجبك من أول نظرة، ولم يقطع حبل سرته في حياته الماضية، افتحه..

«إذا رأيت نيوب الليث بارزة» وظننت أن صاحبك جاء ليطوقك بذراعيه، ويرحب بك، افتحه..

إذا رأوك قرب صخرة أرواحهم، ممسكا بإزميل الكلام، كي تنحت حنجرة لها، ولم يلتفتوا ولم يساعدوك، افتحه..

إذا انفصلت أيامي عنك وغابت عن ناظريك لسبب ما، لا تخبر صرختي، لأن صداها سيخطر على باله أن يسمعني موسيقاي التي أعشقها، فأكتب قصيدة للأمل بدل الضياع.

لم تعرف الذكريات - يوما ما - طريقا إلى رأسه، كم مرة كانت تشكو لي من سوء معاملته، لأنها لا يرى من جدوى لها، فهي تحتل حيزا من تفكيره بلا طائل، حاول مرة أن يصنع منها جناحين ويهديهما إلى قطة، كان يرعاها ويحنو عليها، ويقول: ربما إذا استطاعت الطيران بإمكانها أن تقول الشعر، وهي تعلو بعيدا عن البشر.

لم يفلح الأمر، خدوش بسيطة تحولت في نظر العابرين إلى قصيدة استهزاء وتندر، ما أحال قلبه إلى حرف معتل لا يشفى ولا يموت.

لكنه - ذات يوم - أخذني بيدي إلى مقبرة أجداده، ولم يكن ينبس بكلمة واحدة، كان فقط يتمتم بشفتيه، وكلما مر بجانب قبر ينفتح له، ويخرج صرة منها، فعل ذلك مع جميع من في المقبرة، وعندما انتهى، وضعها جميعا أمامي، ثم أخذ نفسا قليلا، وقال: هذا هو إرثي، أتركه لك، توزعه على أيامك بالتساوي. قال ذلك ثم اختفى.