آخر تحديث:

كيف يمكن أن تتسبب ميكروبات الأمعاء في اضطرابات الدماغ

عدنان أحمد الحاجي *

بدأ الباحثون في اكتشاف تفاصيل كيف يؤثر ميكروبيوم الأمعاء على صحة الدماغ. قد تؤدي تلك النتائج إلى علاجات أفضل وأسهل لأمراض الدماغ.

03 فبراير 2021

بقلم كاساندرا ويليارد

المترجم: عدنان أحمد الحاجي

المقالة رقم 43 لسنة 2021

How gut microbes could drive brain disorders

03 February 2021

Cassandra Willyard


 

في عام 2006، بعد فترة وجيزة من تدشينها مختبرها الخاص، اكتشفت باحثة علم الأعصاب جين فوستر Jane Foster شيئًا شعرت أنه بالتأكيد سيملأ حقلها العلمي ضجيجًا. كانت هي وفريقها يعملون مع مجموعتي فئران: إحدى هاتين المجموعتين تضم مجموعة سليمة من الأحياء الدقيقة في أمعائها، والثانية تفتقر إلى الميكروبيوم. لاحظوا أن الفئران التي لا تحتوي على بكتيريا في أمعائها بدت أقل قلقًا من نظيراتها السليمة. وعند وضعها في متاهة فيها بعض المسارات المفتوحة وبعض المسارات المحاطة بأسوار، فضلت المسارات المفتوحة / المكشوفة. يبدو أن البكتيريا الموجودة في أمعائها كانت تؤثر على أدمغتها وسلوكها.

فوستر من جامعة ماكماستر McMaster في تورنتو، كندا، كتبت الدراسة وسلمتها للنشر. ولكنها رُفضت. أعادت كتابتها وأرسلتها مرة أخرى. رفضت أيضًا. ”لم يقبلها الناس.“ اعتقدوا أنها كانت مفبركة". أخيرًا، بعد ثلاث سنوات وسبع طلبات نشر سُلمت للمجلة، استلمت خطاب قبول نشر للورقة «1»،

جون كريان Cryan، باحث في علم الأعصاب في جامعة كوليدج كورك في أيرلندا College Cork، انضم إلى هذا الحقل البحثي في نفس الوقت تقريبًا الذي انضمت فيه فوستر، ويعرف تمامًا كيف كان شعورها. عندما بدأ الحديث عن العلاقات بين البكتيريا التي تعيش في الأمعاء والدماغ، ”شعر بأنه إنجيلي / بروتستاتتي جدًا“، كما يقول. تذكر أحد المؤتمرات التي كانت بخصوص مرض الزهايمر والذي قدم فيه في عام 2014 محاضرة عن دراسة قام بها. ”لا ألقي كلمة قط في غرفة لا أجد فيها حضورًا لديه اهتمام“.

اليوم، ومع ذلك، فإن محور الأمعاء - الدماغ يعتبر سمة مميزة من سمات اجتماعات / مؤتمرات علم الأعصاب الكبرى، كريان Cryan يقول إنه لم يعد ”ذلك الرجل المجنون الآتي من أيرلندا“. آلاف الأوراق العلمية المنشورة على مدى العقد الماضي كشفت أن تريليونات البكتيريا الموجودة في الأمعاء يمكن أن يكون لها تأثيرات عميقة على الدماغ، وقد تكون مرتبطة بكل هذه المجموعة من الاضطرابات. الممولين للدراسات كالمعاهد الوطنية الأمريكية للصحة يستثمرون ملايين الدولارات في استكشاف هذه العلاقة.

ولكن مع هذا الانفجار في الاهتمام كان هناك ضجيج دعاية. بعض باحثي العلاقة بين الأمعاء والدماغ يدّعون أو يوحون بأن هناك علاقات سببية في حين لاتظهر العديد من الدراسات سوى تلازمات / تساوقات correlations فقط، وبعضها غير مؤكد، كما تقول مورين أومالي، الفيلسوفة بجامعة سيدني في أستراليا والتي تبحث في مجال أبحاث الميكروبيوم. ”هل وجدت سببًا حقيقيًا، أو هل وجدت نتيجة [المترجم: من باب السبب والنتيجة أو العلة والمعلول] آخرى فقط؟“

ولكن في السنوات الأخيرة، خطى التخصص خطوات كبيرة، كما تقول أومالي o'malley. بدلًا من الكلام عن الميايكروبيوم microbiome ككل، بعض فرق البحث بدأت في التحليل المفصل وصولًا الى التعرف على ميكروبات معينة، واضعين تفاصيل لمسارات معقدة وأحيانا مدهشة تربطها بالدماغ. ”وهذا هو ما يسمح بوضع علاقة سببية،“ كما تقول. دراسات على الفئران - ودراسات أولية على البشر - تشير إلى أن الميكروبات يمكن أن تؤدي إلى حالات أو تعديل مجرى تلك الحالات، كحالات مرض الباركنسون، واضطراب طيف التوحد وما إلى ذلك «انظر ”المسارات المحتملة إلى الدماغ“، 2». العلاجات تهدف إلى تعديل دقيق «بهدف التحسين» في المايكروبيوم microbiome يمكن أن يساعد على منع أو علاج هذه الأمراض، وهذه فكرة يقوم بعض الباحثين والشركات بالفعل باختبارها في التجارب السريرية على البشر.


 

المسالك الممكنة بين الأمعاء والدماغ

لا زالت في أيامها الأولى، ولكن احتمال اكتشاف علاجات جديدة بالنسبة لبعض أمراض الدماغ المستعصية هذه يُعتبر احتمالًا مثيرًا، كما يقول سركيس مازمانيان Mazmanian، وهو باحث في علوم الاحياء الدقيقة في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا في باسادينا - ولا سيما بالنظر الى أن التلاعب في الأمعاء أكثر سهولةً من التلاعب في الدماغ. توصيل العلاج إلى الدماغ كان ولا زال يمثل تحديًا منذ زمن بعيد، كما يقول، ”ولكن يمكنك بالتأكيد تغيير المايكروبيوم microbiome“.

انتقال متشابك

في عام 1817، وصف الجراح الإنجليزي جيمس باركنسون بعض الحالات الأولى من ”شلل الرعاش“ «3» الذي أصبح يعرف باسم مرض باركنسون فيما بعد. أصيب أحد الأفراد بالشعور بالتنمل والوخز في كلا الذراعين. لاحظ الدكتور باركنسون أن بطن المريض يبدو أنه يحتوي على ”تجمع كبير“. قام الدكتور بإعطاء المريض جرعة من دواء ملين للأمعاء وبعد عشرة أيام كانت أمعائه فارغة واختفت الأعراض.

ربما اكتشف الدكتور باركنسون شيئًا ما. بعض الناس الذين يصابون بالمرض يعانون من الإمساك قبل وقت طويل من ظهور مشاكل في الحركة. العديد من الباحثين تبنوا فكرة أن المرض يبدأ في الأمعاء، على الأقل في بعض الحالات.

لفهم الفكرة، من المفيد أن نعرف شيئًا قليلًا عن المرض. الأعراض المميزة لمرض باركنسون - الرعاش والتيبس وبطء الحركة - تظهر عندما تبدأ الخلايا العصبية المسؤولة عن تنسيق الحركة بالموت. لماذا تموت هذه الخلايا العصبية لا زال أمرًا غير مفهوم تمامًا، ولكن يبدو أن البروتين المعروف باسم ألفا - ساينوكلين α-synuclein يلعب دورًا رئيسيًا. في الأشخاص المصابين بمرض باركنسون، يتطوى البروتين بشكل مختل misfolds «انظر 5». البروتين الأول الذي يتطوى بشكل مختل يتسبب في حدوث المزيد من البروتينات المختلة التطوي «5»، حتى تبدأ الكتل الضارة المعروفة باسم أجسام ليوي Lewy «انظر 6» في التكوّن في الدماغ.

ما الذي يثير هذا التتالي؟ في عام 2015، روبرت فريدلاند، طبيب الأعصاب بجامعة لويزڤيل Louisville في كنتاكي الأمريكية، طرح نظرية جديدة. لقد قرأ أن بكتيريا الأمعاء يمكنها إنتاج بروتينات لها بنية مشابهة لبروتينات ألفا - ساينوكلين المختل التطوي، لذلك افترض أن البروتينات البكتيرية قد توفر مِرصافًا template لاختلال التطوي «7». وعندما قام هو وزملاؤه بإطعام الفئران سلالة معينة من البكتيريا الإشريكية القولونية «8» التي تنتج أحد هذه البروتينات المتكتلة clumping، المسماة ببروتينات كورلي curli [المترجم: نوع من ألياف نشوانيات amyloid تنتجها البكتيريا المعوية / الأمعائيات enterobacteriaceae، بحسب ما جاء في 9]، في الأمعاء، رأى هؤلاء الباحثون المزيد من تراكم بروتين ألفا - سينوكلين في أدمغة الفئران «10». نتائج الدراسة التي نشرت العام الماضي من قبل مازمانيان Mazmanian وفريقه تدعم نظرية فريدلاند Friedland «انظر 11».

لم يتضح بعد كيف تصل هذه الإشارة من القناة الهضمية إلى الدماغ، ولكن أحد القنوات المحتملة هو العصب المبهم vagus nerve «انظر 12». يربط العصب المبهم جذع الدماغ بالعديد من الأعضاء organs، بما فيها القولون، مما يجعله الأطول بين الأعصاب القحفية الاثني عشر التي تنقل الإشارات بين الدماغ وبقية الجسم. ”إنه بالفعل طريق سريع highway“. وتشير الأبحاث التي أجريت على البشر والحيوانات إلى أن له دورًا حاسمًا في نقل على الأقل بعض الرسائل بين الأمعاء والدماغ.

في السبعينيات من القرن الماضي، كان العلاج الشائع لقرحة المعدة هو إزالة كل أو جزء من العصب المبهم للحد من إنتاج الحمض في المعدة. ولكن في العقود الأخيرة، لاحظ الباحثون أثرًا جانبيًا غريبًا: فالأشخاص الذين خضعوا لهذه العملية بدا أنهم أقل عرضة للإصابة بمرض باركنسون «13».

في دراسة أجريت على الفئران، أدى حقن ألفا - سينوكلين المختل التطوي في أمعائها إلى إنتاجه / ظهوره في الدماغ. ولكن لو أزال الباحثون العصب المبهم من الأول، فلن يظهر ألفا - سينوكلين في الدماغ «14». يبدو أن ألفا - سينوكلين المحقون يبقى نفسه في الأمعاء، لكن ڤالينا داوسون Valina Dawson، باحثة في الأعصاب في جامعة جونز هوبكنز في بالتيمور بولاية ماريلاند، والمؤلفة في الدراسة، تعتقد أنه قد يكون هناك تأثيرالدومينو «15»: البروتينات مختلة التطوي تنقل اشارة خاطئة إلى الدماغ عبر العصب المبهم حتى تتطوى البروتينات في الدماغ في نهاية المطاف. يُجري مازمانيان وزملاؤه الآن تجارب لمعرفة ما إذا كان بروتين كورلي curli في الأمعاء قادرًا على أن يؤدي الى أعراض باركنسون في الفئران التي بُتر منها العصب المبهم.

نظرًا لأن البروتينات المختلة التطوي هي السمة المميزة للعديد من الحالات الأخرى التي تؤثر على الدماغ، بما في ذلك مرض الزهايمر ومرض العصبونات الحركية «التصلب الجانبي الضموري، أو يغرف اختصارًا ب ALS، انظر 16 و17»، يقول فريدلاند أن البروتينات البكتيرية يمكن أن تكون متورطة في هذه الأمراض أيضًا. وجدت داوسون أن الفكرة فكرة معقولة، لكنها تقول إن النشوانيات «amyloids» البكتيرية ليست العامل الوحيد الذي يجب مراعاته. مرض باركنسون، على سبيل المثال، هو مرض معقد يظهر بشكل مختلف في أشخاص مختلفين. ومع ذلك، كما تقول، ”قد تكون هذه إحدى الطرق التي تبدأ منها الأشياء“.

تسريع التنكس / التدهور

يقول مؤيدو الارتباط بين الأمعاء والدماغ إن الميكروبيوم يمكن أن يفعل أكثر من مجرد أن يؤدي إلى بعض حالات مرض التنكس العصبي «18»: ويمكن أن يكون له أيضًا تأثيرات على حدة هذا المرض. عيران إليناڤ Eran Elinav باحث في علم المناعة في معهد وايزمان للعلوم، وفي المركز الألماني لأبحاث السرطان في هايدلبرغ، صُدم بهذه الاختلافات في كيف يتطور مرض التصلب الجانبي الضموري ALS: بعض المصابين بالمرض تتقدم «أي تتدهور» حالتهم المرضية ببطء، والبعض الآخر تتدهور حالتهم المرضية بسرعة. تساءل إيليناڤ عما إذا كان الميكروبيوم يساعد في تفسير هذه الاختلافات، لذلك بدأ هو وفريقه العمل مع أحد أكثر نماذج الفئران المصابة ب ALS، شيوعًا. حين قضوا على الميكروبيوم باستخدام المضادات الحيوية، أو استخدموا فئران تفتقر إلى الميكروبيوم منذ ولادتها، رأوا تطورًا أسرع بكثير للمرض مقارنة بالفئران التي فيها ميكروبيوم طبيعي «19».

قارن الفريق بكتيريا الأمعاء في الفئران المصابة ب ALS مع فئران سليمة من نفس البطن / الجراء القرينة littermates «انظر 20»، ووجدوا العديد من الأنواع species الميكروبية التي يبدو أن لها علاقة بالمرض. لقد زرعوا هذه الأنواع، واحدة تلو الآخرى، بشق الأنفس في مجموعة أخرى من الفئران ليس فيها أي بكتيريا في الأمعاء، وتعرفوا على نوعين منها جعلت أعراض ال ALS ​​أكثر سوءًا، ونوع واحد بدا أنه يجعلها أحسن. ”ثم سألنا أنفسنا،“ كيف تؤثر هذه السلالة التي تعيش فقط في الأمعاء بشكل مذهل على مرض يتركز في الدماغ؟ "كما يقول إليناڤ.

تعمل البكتيريا الخيطية المحزأة في الأمعاء «باللون الأخضر» على تحفيز الجهاز المناعي للفئران الحوامل المصابة بعدوى، مما يؤدي إلى تغيير تطور دماغ الجنين، مصدر الصورة: دان ليتمان، أليس ليانغ، دوغ وي وإريك روث

يمكن أن يكون الجناة عبارة عن مستقلبات / نواتج أيض بكتيرية - وهي جزيئات صغيرة تنتجها البكتيريا يمكنها أن تدخل مجرى الدم وتنتقل في جميع أنحاء الجسم. يقول إليناڤ إن ما لا يقل عن نصف الجزيئات الصغيرة في الدم ”إما أن تنتجها الميكروبات أو تعدلها“. قام هو وفريقه بتحليل المستقلبات التي تنتجها الميكروبات النافعة، وقاموا بحقن جزيء يسمى ال نيكوتيناميد nicotinamide «انظر21» - المعروف أيضًا باسم فيتامين B3 - الفئران المعرضة لمرض التصلب الجانبي الضموري. ووجدوا أن الجزيء دخل أدمغتها وحسّن من أعراضها «19». ”يمكننا إثبات أن هناك بكتيريا، ويمكننا إثبات أن هناك نتاجًا لهذه البكتيريا، ويمكننا إثبات أنها كانت تسبح إلى العضو المستهدف الصحيح وتقوم بشيء ايجابي بالنسبة لمسار المرض“ كما يقول إليناڤ.

عندما قارنوا ميكروبيوم المصابين بمرض التصلب الجانبي الضموري مع ميكروبيوم أفراد أسرهم غير المصابين، رأوا كمية أقل من النيكوتيناميد في المصابين بمرض التصلب الجانبي الضموري «19»، ناتج الأيض / المستقلب متاح بسهولة كمكمل غذائي، ويقول إليناڤ إنه يخطط هو وزملاؤه لإجراء تجربة إكلينيكية عليه.

مجموعة بحثية واحدة على الأقل جربت بالفعل فيتامين B3 كعلاج لمرض التصلب الجانبي الضموري في تجربة صغيرة، وإن كانت صيغة مدمجة مع مركب آخر. قامت المجموعة بإعطائه المشاركين المصابين بمرض التصلب الجانبي الضموري لمدة أربعة أشهر. أظهر أولئك الذين كانوا في مجموعة العلاج بعض التحسن، لكن جميع الذين كانوا في مجموعة العلاج الوهمي تقريبًا تدهوروا صحيًا «22».

”هذه مجرد بداية“ كما يقول إليناڤ، يوجد العديد من أنواع البكتيريا والمستقلبات، وكل خلية في الجسم منفتحة على آثار هذه البكتيريا والمستقلبات. بمجرد أن تدرك ذلك، كما يقول، ”تبدأ في معرفة أن تأثير الميكروبيوم يمكن أن يتوسع إلى ما هو أبعد مما تعيش فيه الميكروبات بالفعل“.

التأثير الجيلي «23»

يمكن أن ينتقل التأثير من جيل إلى آخر. خذ اضطراب طيف التوحد «ASD». لا تزال الأسباب غير مفهومة جيدًا، لكن يبدو أن العدوى التي تصيب الأم أثناء الحمل تزيد من احتمال أن يكون لدى طفلها توحد، وفقًا للدراسات الوبائية. على سبيل المثال، في مجموعة أتراب سويديّة فيها ما يقرب من مليون وثمانمائة ألف طفل، أولئك الذين تم إدخال أمهاتهم إلى المستشفى بسبب أي عدوى أثناء الحمل، معرضون لاحتمال أن يكون لديهم توحد بنسبة 79٪ «انظر 24».

البحث على الفئران يدعم هذه العلاقة أيضًا. لمحاكاة العدوى، قام الباحثون بحقن الفئران الحوامل pregnant بحمض نووي ريبي ثنائي السلسلة double-stranded RNA والذي يعتبره الجسم غازًيا فيروسيًا. جراء pups الفئران أظهرت سلوكيات متكررة وقلقًا أكثر من التي لم تحقن امهاتها، وتفاعلت بشكل أقل مع الفئران الأخرى - وهي أعراض تعكس أعراض الذين لديهم توحد «25».

غلوريا تشوي Gloria Choi، باحثة في علم الأعصاب في معهد بايكور Picower للتعلم والذاكرة التابع لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كامبريدج، وزوجها والمتعاون معهما جون هوه Jun Huh، اختصاصي المناعة في كلية الطب بجامعة هارفارد في بوسطن، أرادوا معرفة السبب. ركزوا على نوع من الخلايا تقاوم البكتيريا والفطريات عن طريق إنتاج جزيئات تسمى السيتوكينات cytokines. عندما قامت تشوي وهوه بمحاكاة العدوى في الفئران، هذه الخلايا، المسماة بالخلايا التائية المساعدة 17 T-helper، أصبحت مفرطة النشاط، منتجة نوعًا معينًا من السيتوكين يسمى IL-17. ينتقل هذا الجزيء إلى أدمغة الجراء النامية / المتطورة، ربما عبر المشيمة، ثم ترتبط بمستقبلات الدماغ. يبدو أن هذا له تأثير عميق على الفئران: وجد الباحثون أن نسلها البالغ قد أظهر نشاطًا عصبيًا متزايدًا، مما تسبب في ظهور سلوكيات شبيهة بالتوحد «26».

ولكن ”ليس كل امرأة حامل مصابة بالعدوى أو دخلت المستشفى أثناء الحمل لديها بالضرورة أطفال يعانون من اضطرابات نماء عصبي أو توحد“، كما يقول هوه. يجب أن يكون هناك شيء ما ينقل الجهاز المناعي للأم نحو حالة فرط النشاط هذه. ركزت تشوي وهوه على مجموعة من ميكروبات الأمعاء الرفيعة والطويلة المعروفة باسم البكتيريا الخيطية المجزأة «البكتيريا المرشحة، 27»، والتي سبق أن ثبت أنها تعزز تكوِّن الخلايا التائية المساعدة 17. عندما عالجوا الفئران الحوامل بمضاد حيوي لقتل هذه البكتيريا ثم حفزوا الاستجابة المناعية، لم تظهر أي اختلافات سلوكية لدى الجراء pups «انظر 28».

تقوم تشوي Choi وهوه Huh، وهما الحريصان على معرفة ما إذا كانت جائحة الفيروس التاجي يمكن أن تؤدي إلى زيادة احتمال الإصابة بالتوحد، بجمع عينات من النساء الحوامل المصابات بفيروس سارس - كوف-2 وتصنيف البكتيريا في أمعائهن ومستويات سيتوكين IL-17 في دمائهن. نظرًا لأن الفيروس التاجي، مثل أي عدوى أخرى، ينشّط الجهاز المناعي للأم، فمن المعقول أن يزيد فيروس سارس - كوف-2 من احتمال تطور دماغ متغير / معدّل وبالتالي يزيد فعلًا من حالات الاضطرابات النفسية، كما يقول ديفيد أمارال Amaral الذي يدرس التوحد في جامعة كاليفورنيا. في مدينة ديڤيس. ولكن لم يجد الباحثون بعد أدلة تدعم هذه النظرية.

كما يقوم ماورو كوستا ماتيولي Mauro Costa-Mattio، باحث في علم الأعصاب في كلية بايلور Baylor College للطب في هيوستن، تكساس، بدراسة العلاقة بين البكتيريا والتوحد. لكن بدلاً من دراسة الميكروبات التي تسبب اضطراب التوحد، وجد نوعًا واحدًا قد يعالج أعراض التوحد.


يتم اختبار بكتيريا الأمعاء العصية اللبنية ريوتري Lactobacillus reuteri كعلاج لأعراض اضطراب طيف التوحد في تجربة صغيرة، المصدر:: ستيفاني شولر / أليستير والشام / SPL

كوستا ماتيولي عثر على هذه البكتيريا بالصدفة قبل حوالي خمس سنوات. في ذلك الوقت، كان يعمل على فئران نسلها لديه أعراض تشبه أعراض التوحد. عندما تم إيواء تلك الفئران مع فئران أخرى طبيعية / ليس لديها توحد «وأكلت فضلاتها، كما تفعل ذلك عادةً جميع الفئران»، اختفت سلوكياتها الشبيهة بالتوحد. توصل كوستا ماتيولي وزملاؤه إلى أن الفئران المصابة كانت تفتقر الي نوع معين من بكتيريا العصية اللبنية ريوتري Lactobacillus reuteri [المترجم: وهي بكتريا حامض اللكتيك / اللبنيك موجودة في عدة مصادر طبيعية ومنها القناة الهضمية، كما ورد في 29].

اختبر الباحثون هذا النوع من البكتيريا «L. reuteri» في العديد من نماذج الفئران الأخرى، وتمكنت هذه البكتيريا من عكس بعض السلوكيات المشابهة للتوحد في كل منها. وكما هو الحال في دراستهم على مرض باركنسونن،، تمكن الباحثون من منع التأثير في الفئران لو بتروا العصب المبهم «30».

نوع الإشارة التي يرسلها هذا النوع من البكتيريا «L. reuteri» غير معروف بالضبط. وجد الفريق أن بعض سلالات بكتيريا L. reuteri قادرة على عكس السلوك بينما لا يستطيع على ذلك البعض الآخر منها، ويعمل الباحثون الآن على اكتشاف أي من جيناتها معنيٌ بذلك. إذا وجدوا الجين الذي ينتج مستقلبًا / ناتج أيض رئيسيًا، ”يمكننا وضعه فقط في أي بكتيريا فقد يكون لدينا علاج محتمل اليوم“، كما تقول كوستا ماتيولي. هذه الاستراتيجية لم يتم اختبارها بعد.

تقوم إحدى المجموعات البحثية في إيطاليا بالفعل بتجربة بكتيريا ال L. reuteri كعلاج على 80 طفلًا لديهم توحد «31». سيأخذ المشاركون في التجربة بكتيريا ال L. reuteri أو قرصًا وهميًا لمدة ستة أشهر، وسيجري رصد أعراضهم. تأمل كوستا ماتيولي في بدء تجربته قريبًا.

يبقى أن نرى ما إذا كانت ستنجح، لكن كيڤن ميتشل Kevin Mitchell، أخصائي علم الوراثة العصبية في كلية ترينيتي في دبلن Trinity College Dubli، لم يجد هذه الدراسات على الفئران مقنعةً بعد. وهو يرى أن مناقشة الإمكانيات العلاجية سابقة لأوانها و”غير مسؤولة بعض الشيء“، كما يقول، نظرًا للتعقيد الذي تنطوي عليه الحالة.

في غضون ذلك، الباحثون يستقصون المزيد من أمراض الدماغ، بما في ذلك مرض الزهايمر والاكتئاب. ميكروبات الأمعاء قد تؤثر حتى على كيف يتعافي الدماغ بعد الإصابة. كورين بيناكيس Corinne Benakis، باحثة في علم الأحياء العصبية في معهد أبحاث السكتة الدماغية والخرف في جامعة لودويغ ماكسيميليان Ludwig Maximilians في ميونيخ بألمانيا، وزملاؤها عالجوا الفئران بالمضادات الحيوية للقضاء على بعض بكتيريا الأمعاء قبل إستحثاث سكتة دماغية فيها. ما وجدوه هو أن المضادات الحيوية قد تقلل من شدة تلف الدماغ «32».

في كل من هذه الأمراض، يبقى العديد من الأسئلة الآلية [أسئلة تُعنى بفهم كيف تعمل أجزاء النظام وأسلوب ارتباطها معًا]. يعترف الباحثون في هذا المجال بأنهم لم يعطوا معلومات مفصّلة عن المسارات من ميكروبات الأمعاء إلى الدماغ. أصعب خطوة ستكون في التحقق من صحة هذه النتائج التي حصلوا عليها من الدراسات الحيوانية على البشر والانتقال منها إلى التجارب السريرية. يقول ميتشل: ”هذه ادعاءات غير عادية، وينبغي أن تتطلب براهين غير عادية“.

ولكن هناك أيضًا اهتمام هائل - وليس فقط من الأكاديميين. ففي فبراير 2019، شركة أكسيال ثيروبيتكس Axial Therapeutics في مدينة والثام، في ماساتشوستس، وهي شركة شارك في تأسيسها مازمانيان Mazmanian لتطوير علاجات للأمراض التنكسية العصبية والأمراض العصبية والنفسية، جمعت 25 مليون دولار أمريكي من التمويل. شركة أخرى، فينش ثيوربيتكس Finch Therapeutics في مدينة سومرڤيل Somerville، في ماساتشوستس، والتي تطور عقار ميكروبيوم يؤخذ عن طريق الفم لعلاج التوحد، أعلنت في سبتمبر 2020 أنها جمعت 90 مليون دولار من التمويل.

شاهد كريان Cryan البيانات تتراكم منذ أن قوبلت محاضرته حول هذا الموضوع بصمت تام خال من التعاطف. وجد أن الأدلة المتراكمة مقنعة، ويرى أن العلاجات القائمة على الميكروبيوم واعدة بشكل كبير. ”بخلاف الجينوم الخاص بك، والذي لا يمكنك فعل الكثير بشأنه باستثناء إلقاء اللوم على والديك وأجدادك، فمن المحتمل أن يكون الميكروبيوم الخاص بك قابلاً للتعديل. وهذا يعطي المرضى وسيلة علاجية رائعة.“ هذا مثير حقًا. "

البحث منشور في عدد 590 ص 22 - 25 لدورية نتشر Nature للصادر في 2021 «انظر 33»

مصادر من داخل وخارج النص

1 - https://onlinelibrary.wiley.com/doi/full/10,1111/j.1365-2982,2010.01620.x

2-https://ar.wikipedia.org/wiki/مسار_عصبي

3 - ”يعرف مرض باركنسون بأنه تلف لجزء معين في النواة القاعدية في الدماغ يدعى «المادة السوداء»، حيث تعرف هذه المادة بمسؤوليتها عن إفراز مادة الدوبامين الضرورية لتوازن الحركة لدى الإنسان، ولا يعرف سبب مباشر لتلف هذه المادة، وربما تكون هناك علاقة بالجينات الوراثية والعوامل البيئية المحيطة“ مقتبس من نص ورد على هذا العنوان:.

https://www.moh.gov.sa/awarenessplateform/VariousTopics/Pages/ParkinsonDisease.aspx

4 - ”الفا ساينوسلين هو بروتين موجود في الدماغ يعتبر من أحد مكونات الرئيسية لأجسام ليوي. اجسام ليوي هي كتل من تجمعات بروتينية وهذة تمثل الصفوة المميزة لمرض الشلل الرعاشي وله دور في تطور مرض الشلل الرعاشي. ان التغير الوراثي في الجين المسؤول عن تعبير الفا ساينوسلين يساهم في الإصابة بمرض الشلل الرعاشي في حالات نادرة لمرضى الشلل الرعاشي العائلي. جين الفا ساينوسلين ينتج اما كميات كبيرة أو اشكال غير طبيعية للبروتين قد تؤدي إلى تسمم خلايا المخ مما ينتج ضعفًا في الخلايا العصبية“ مقتبس من نص ورد على هذا العنوان: https://ar.wikipedia.org/wiki/ألفا - ساينوكلين

5 - https://ar.wikipedia.org/wiki/تطوي_البروتين

6 - ”أجسام ليوي «بالإنجليزية: Lewy Body» ‏ هي تجمعات غير طبيعية لبروتينات داخل خلايا عصبية مسببة لمرض باركنسون، داء جسيمات ليوي وأمراض أخرى. كما تشاهد هذه الأجسام في الضمور الجهازي المتعدد، خصوصاً النمط الباركنسوني. يمكن مشاهدة هذه الأجسام تحت المجهر في عينات الدماغ وجذع الدماغ“ مقتبس من نص ورد على هذا العنوان: https://ar.wikipedia.org/wiki/أجسام_ليوي

7 -

https://content.iospress.com/articles/journal-of-alzheimers-disease/jad142841

8 -

-https://www.mayoclinic.org/ar/diseases-conditions/e-coli/symptoms-causes/syc-20372058

9-https://en.wikipedia.org/wiki/Curli

10 - https://www.nature.com/articles/srep34477

11 - https://elifesciences.org/articles/53111

12 - ”العصب الحائر أو العصب المبهم أو العصب الرئوي المعدي «بالإنجليزية: Vagus nerve» ‏ هو أحد الأعصاب القحفية الاثنا عشر وهو العصب الوحيد الذي ينشأ في الدماغ وينتهي بعيدا في الجهاز الهضمي ولهذا السبب يطلق على العصب تسمية العصب الحائر“ مقتببس من نص ورد على هذا العنوان:

https://ar.wikipedia.org/wiki/عصب_مبهم

13 - https://onlinelibrary.wiley.com/doi/abs/10,1002/ana.24448

14 -

https://www.cell.com/neuron/fulltext/S0896-6273 «19» 30488-X?_returnURL=https%3A%2F%2Flinkinghub.elsevier.com%2Fretrieve%2Fpii%2FS089662731930488X%3Fshowall%3Dtrue

15 - ”تأثير الدومينو بالإنجليزية «Domino Effect» هو تفاعل تسلسلي يحدث عندما يسبب تغيير صغير تغييراً مماثلاً بجواره والذي بدوره سيحدث تغييراً مماثلاً وهكذا دواليك في تسلسل خطي. يمكن لهذا المصطلح أن يستعمل حرفياً للتعبير عن سلسلة من الاصطدامات أو مجازياً في السياسة وفي المالية العالمية وغيرها، عند الاعتقاد بأن حدوث شيء سيء قد يؤدي إلى حدوث سلسلة من الأحداث المتتالية السيئة. يؤخذ على الاستخدام المجازي لتأثير الدومينو أنه قد لا يكون صحيحا، ويستخدم فقط للإقناع دون تقديم أدلة على حتمية العواقب السيئة المتتالية، إذ أن حتى الدومينو الفعلي لا يكون سقوطه حتميا، فقد يؤدي اختلال بسيط إلى عدم حصول وقوع متسلسل لبقية القطع“ مقتبس من نص ورد على هذا العنوان: https://ar.wikipedia.org/wiki/تأثير_الدومينو

16 - ”مرض العصبون الحركي «بالإنجليزية: motor neuron disease» ‏ هو مجموعة من الأمراض التنكسية التي يميزها تضرر خلية العصبون الحركي في الدماغ، وفي الحبل الشوكي وفي المسالك المسؤولة عن انتقال الإشارات العصبية بينهما.“ مقتبس من نص ورد على هذا العنوان: https://ar.wikipedia.org/wiki/مرض_العصبون_المحرك

17 -

https://ar.wikipedia.org/wiki/تصلب_جانبي_ضموري

18 -

”التنكس العصبي «بالإنجليزية: Neurodegeneration» ‏ هو فقدان تدريجي متفاقم لبنية أو وظيفة الخلايا العصبية، بما قد يصل لموت الخلايا العصبية. العديد من الأمراض العصبية التحللية، بما في ذلك التصلب الجانبي الضموري ومرض باركنسون ومرض الزهايمر ومرض هنتنغتون، تحدث نتيجة لعمليات التحلل العصبي. وتُعتبر هذه الأمراض غير قابلة للشفاء، مما يتسبب في تدهور تدريجي لدرجة تصل لموت الخلايا العصبية“ مقتبس من نص ورد على هذا العنوان: https://ar.wikipedia.org/wiki/تحلل_عصبي

19 -.

https://www.nature.com/articles/s41586-019-1443-5

20 -

https://ar.wikipedia.org/wiki/بطن_ «حيوانات»

21 -

https://ar.wikipedia.org/wiki/نيكوتيناميد

22 - https://www.tandfonline.com/doi/full/10,1080/21678421,2018.1536152

23 - ”تأثير الأجيال يصف كيف يختلف سلوك مجموعة من الأتراب ولدوا في وقت معين عن سلوك مجموعة أتراب أخرى ولدوا في وقت مختلف“ ترجمناه من نص ورد على هذا العنوان: https://cityobservatory.org/what-lifecycle-and-generational-effects-tell-us-about-young-peoples-homebuying/

24 - https://jamanetwork.com/journals/jamapsychiatry/fullarticle/2727135

25 - https://linkinghub.elsevier.com/retrieve/pii/S0006322316329390

26 - http://www.nature.com/articles/nature23909

27 - https://ar.wikipedia.org/wiki/مرشحة_ «تصنيف»

28 - https://doi.org/10,1038%2Fnature23910

29 - https://en.wikipedia.org/wiki/Limosilactobacillus_reuteri

30 - https://linkinghub.elsevier.com/retrieve/pii/S0896627318310092

31-https://clinicaltrials.gov/ct2/show/NCT04293783

32 - https://www.nature.com/articles/nm.4068

33 - https://www.nature.com/articles/d41586-021-00260-3

المصدر الرئيس

https://www.nature.com/articles/d41586-021-00260-3?utm_source=Nature+Briefing&utm_campaign=14f0ad203a-briefing-dy-20210203&utm_medium=email&utm_term=0_c9dfd39373-14f0ad203a-43731365