آخر تحديث: 18 / 5 / 2021م - 5:03 م

مُتسكّعون بلباس التّذمر

ليلى الزاهر *

يكتسب البعض بين حين وآخر فرصة جديدة تُشكّل نمط حياته الذّاتِيّ في سعي متواصل منه لتحسين قدراته المختلفة وكلّ يغني على ليلاه في ذلك؛ فالعامل يسعى جاهدا لتحسين دخله الاقتصادي، والطالب يسعى لرفع قدراته التحصيلية العلمية وفي ضوء ذلك يصل كلّ منهما لأهدافه بمنظاره الفلسفيّ الخاص.

ولا يمكن فصل الفشل عن خطوات الحياة التي ترافقنا في محطات متعددة.

وقد يحدث أن يتعرض إنسان لإصابات متعددة تُقوّض ظهره فيحاول ترميم نفسه والخروج بأقلّ خسارة ناجمة عن خذلان الفرص التي عبرها، مؤمنا بأن «الصبر ترك الشكوى، والرضا استلذاذ البلوى» والمشاهد الحياتية تكشف مدى الألم الذي يتعرض له البعض من تكرار النكبات التي تصلح أن تكون فيلمًا سينمائيًا يسرد أحداثا مؤلمة وصراعات مُعقدة، تقعد صاحبها في جبّ الخيبات، فيأسره خوف المحاولة مجددا.

من جهة أخرى يوجد إنسان بنكهة تفاؤل لا يشعر باليأس حتى حين يقرأ مصيبته في كتاب القضاء والقدر، نراه يحوم حول بزوغ الفجر، يلتقط خيوط الشمس الذهبية يصنع شروقا خاصًا به، ويتأهب للعمل في محاولة مُجددة لأنه لمح رزق الله بين السماء والأرض.

وفي الجانب المظلم من الحياة هناك من لا يرى الشمس، ويعشق الظلام فيقدّم أسوأ نموذج للإنسان اليائس الذي وصل لأعلى مراتب اليأس فلا يكف عن الشكوى والتذمر حينا، ومراقبة خط سير النّاس حينا آخر باستفساراته المتعددة وأسئلته المُربكة. في حين يرفض بطريقة أو بأخرى إدارة أي حوار معه.

إنّ التأمل في حياة المتذمرين يكشف لنا أنهم لا يبصرون سوى الجزء الفارغ من الكأس، وربما ينعمون في طيبات ونعم كثيرة يحلم بها الآخرون لكنهم لا يشعرون بوجودها ويتسكّعون الشفقة بتذمرهم.

وقد نصادف فئة من المتذمرين الذين يتقنون زيف الشكوى كما يُقال من باب إخماد العين الحاسدة، قد جانبهم الصواب في ذلك؛ فالسلوك الصحيح لتتابع النعم هو شكر الله تعالى مع ضرورة تحصين النفس تفاديا العين الحاسدة، يسبق ذلك التوكل على الله وتفويض الأمور كلها له.

وبنظرة شمولية لأغلب المتذمرين نشعر بأنهم يعانون اضطرابات وتعقيدات لا تتيح لهم وضع حلول جذرية لمشكلاتهم فيلجأون للشكوى، وأحيانا يُعظّمون الأمر؛ لتأخذ شكلا مُضخّما. وما شكواهم هذا إلا امتداد للضعف والعجز عن وضع حلول مجدية لمشاكلهم كما وصف ذلك المتنبي حينما قال:

وَتَعظُمُ في عَينِ الصَغيرِ صِغارُها

وَتَصغُرُ في عَينِ العَظيمِ العَظائِمُ

لذلك فإن معظم علماء السلوك الاجتماعي ينصحون أرباب التّذمر بتركه على الفور وانتهاج البدائل المناسبة التي من أهمها تنمية مهارة التفكير الناقد وتعزيز قدرة اكتساب مهارة حل المشكلات بشكل منطقي. كما أنّ اللجوء لمختص يساهم في تعلّم مهارة التفكير الاستنباطي أمرٌ مهم يساعد في فهم المشكلات وحلها بشكل سليم.

قد يتقبل أقرباؤك وأهلك تذمرك مرة بعد أخرى لكنهم سيغادرون رحالك يوما ما، عندها لابد أن يتبادر إلى ذهنك قول أحد الحكماء:

«لا يمكنكم أن تضحكوا على النكتة نفسها أكثر من مرّة، فلماذا تستمرون بالتذمر والبكاء على نفس المشاكل في كلّ مرة؟!»

أما حاسدك فلا يهمك أمره لأنه لا يوجد أسوأ حظا منه فحزنه مدد، وفرحه معدوم، وسعادته مفقودة، لا صاحب له، ولا معين ينصره، يقول الجاحظ:

‏رأيت إبليس في النوم كأنه راكب على طائر، فاستوقفته، فوقف، وقال لي:

‏ويلك يا عمرو، احفظ عني ما أقول:

‏لا تحسد الناس، فالحسد أقامني مقام الخزي.