آخر تحديث: 25 / 1 / 2022م - 7:04 م

حدود الله بين التطبيق والإنتهاك

نجاة آل إبراهيم *

﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ الطلاق - 1

مما لاشك فيه أن الله سبحانه وتعالى خلق هذا الكون الفسيح بسمائِه وأرضِه، وبرِّه وبحرِه، وجبالِه وأنهارِه وأوديتِه، وخلق هذا الإنسان الصغيرُ بحجمه، والكبيرُ بعقله، والعظيمُ بقَدرِه، ومن فضلِه وكرمه وتمنُّنِه سخّر الكون لأجله، الأرض ومافيها من خيرات، والبحر ومافيه من نعم، وذلك من أجل أن يحمل رسالة الإيمان ويعمِّر الأرض بطاعة الرحمن.

الله رسم للخلق حدود حتى يستفيدوا من هذه النعم الإستفادة القصوى، لذلك فإن كل مارسمه الله من حدود هي لخدمتهم وتنظيم العلاقات فيما بينهم وتحقيق المصالح وحمايتها.

لأنه من الثابت أن الله سبحانه وتعالى لا تنفعه عبادة مَن عبده، ولا يضره إعراض مَن أعرض عنه، نحن الفقراء إليه، وهو الغنيُّ الحميد، لا يأمرنا إلا بما فيه خيرنا وصلاحنا.

ومع التصرف الذي أباحه الله لعباده في هذا الكون لم يُطلق على عواهِنه

«كما يقال» دون تحديد أو تقييد وإنما حدَّدهم بحدود عرَّفها لهم وأباح لهم التصرُّف ضمن هذه الحدود وحرَّم عليهم التصرُّف في مُلكه خارجها.

وهو عندما شرّع هذه الحدود دعانا للإلتزام بها، وأوضح من خلال الرُسل والكتب الغاية والهدف منها، فرسالة الدين في حياة الإنسان هي تحديد منطقة «الرُّخصة» التي يجوز للإنسان أن يتحرك فيها حتى يكون واعياً ومسؤولاً فلا يعتدي ولا يظلُم ولايكذب ولايسرق.

إذاً ساحة الحياة تنقسم إلى «منطقتين»:

منطقة الرُّخصة ولنسميها: «المنطقة الخضراء»

وهي المساحة التي أباحها الله للناس وحلَّلها لهم من أكلِِ وشرب، وزواج، وتجارة، ورياضة، وعلاقات إجتماعية، وماشابه ذلك.

أما منطقة الحَظر ولنسميها: «المنطقة الحمراء»

هي المنطقة التي حرَّمها الله تعالى ونَهى عنها مثل: الظلم، والعدوان، الربا، الزنا، الخصومة، الغِيبة، شرب الخمر، الكذب.. ومايشبه ذلك مما حرَّم الله.

التحرُّك والتصرُّف والسَّير داخل «المنطقة الخضراء» وعدم التجاوز هو إلتزام بحدود الله وهو مايعرف: ”بالتقوى“.

فقد سُئل الإمام الصادق عن التقوى فقال: [ألاَّ يفقِدُك الله حيثِ أمرك، ولا يراكَ حيثُ ينهاك].

وتجاوز هذه الحدود والخروج منها إلى المنطقة الحمراء هو: ”العصيان“

قال تعالى:﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ. النساء - 14

أبرز مميزات المنطقة الخضراء:

«منطقة التقوى»

أنها تنسجم مع الفطرة السليمة

التي خلقها الله وركَّبها في الإنسان، فإذا خرج الإنسان من هذه المنطقة سوف تكون المصيبة أنه يعيش محنة التناقض وعدم الإنسجام بين حياته التي اختارها والفطرة التي ركَّبها الله تعالى فيه.

المنطقة الخضراء «منطقة آمنة»

لايستطيع الشيطان أن يخترقها ولا يقتحمها لأنها منطقة منِيعة ومحمية قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَالأعراف - 201

عكس «المنطقة الحمراء» فهي منطقة غير آمنة وغير حصينة ومعرضة للشياطين وللهوى.

المنطقة الخضراء: تجعلنا قريبين من الله وتشدنا بالله شدَّاً وثيقاً، لأنها حبل وثيق عروته،

كما يقول الإمام علي : «إنَّ لِتَقْوَى اللّهِ حَبْلاً وَثيقاً عُرْوَتُهُ، وَمَعْقِلاً مَنِيعاً ذُرْوَتُهُ»

وأخيراً..

إن في المنطقة الخضراء «سعة»

فمساحة حدود الله تَسَع الناس جميعاً، وتمكِّن الجميع من حقوقه ومن الحياة الكريمة، حياة الأمن والسلام والراحة والطمأنينة والإستقرار.

أما من «يتجاوز حدود الله» فسيعيش في ضِيق وظُلم وعُسر وضَنك وشِدَّة.

﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ. الطلاق - 1

من هنا نَعِي أن الله تعالى لايُشرِّع إلا مافيه مصلحة للإنسان، وخدمته، وصلاحه، وسعادته، لأنه هو الخالق والبصير بالأحوال.

ففي طاعته كلّ الفلاح وكلّ الصلاح وكلّ الأمن والأمان والسلام في الدنيا والآخرة.

اَللَّهُمَّ أَلْهِمْنا طاعَتَكَ، وَجَنِّبْنا مَعْصِيَتَكَ، وَيَسِّرْ لَنا بُلُوغَ ما نَتَمَنّى مِنِ ابْتِغآءِ رِضْوانِكَ.

وَأَحْلِلْنا بُحْبُوحَةَ جِنانِكَ، وَاقْشَعْ عَنْ بَصائِرنا سَحابَ الارْتِيابِ، وَاكْشِفْ عَنْ قُلُوبِنا أَغْشِيَةَ الْمِرْيَةِ وَالْحِجابِ، وَأَزْهِقِ الْباطِلَ عَنْ ضَمآئِرِنا، وَأَثْبِتِ الْحَقَّ فِي سَرائِرِنا، فَإنَّ الشُّكُوكَ وَالظُّنُونَ لَواقِحُ الْفِتَنِ، وَمُكَدِّرَةٌ لِصَفْوِ الْمَنآئِحِ وَالْمِنَنِ.

المصادر : بحث إلكتروني لسماحة الشيخ محمد مهدي الآصفي
مسؤولة اللجنة النسائية في جامع الإمام الرضا بصفوى