آخر تحديث: 10 / 5 / 2021م - 11:48 ص

حبا في الصحابي حُجر

بدر شبيب الشبيب *

في أي زمن ظلامي نحن نعيش؟! كيف أصبح نبش قبر أحد الصحابة الأجلاء محل فخر واعتزاز وعلامة نصر عند جماعة تدَّعي تمسكها بالدين؟! فقد أعلنت يوم أمس الثاني من مايو 2013 مجموعة معارضة مسلحة في سوريا في صفحتها في الفيسبوك عن قيامها بنبش قبر الصحابي الجليل حُجر بن عدي المدفون في مرج عذراء، والمعروفة حاليا ب «عدرا»، وهي مدينة تبعد عن دمشق 30 كم تقريبا، وأنها قامت بنقل جثمانه إلى مكان مجهول ودفنه هناك إخفاء للمعالم. بالطبع يعتقد هؤلاء أن ما يفعلونه هو واجب ديني، ويحسبون أنهم يحسنون صنعا يتقربون به لوجه الله تعالى، وهنا تكمن الكارثة حين يتم إضفاء الشرعية والقداسة على مثل هذه الأعمال بدعوى محاربتها للشرك والبدع. لم يكن ما حدث في «عدرا» أول الأحداث من نوعه، فالذاكرة ممتلئة بالعديد من المشاهد المشابهة التي كان وراءها هذا الفكر التكفيري، كما حدث في العراق من تفجير مرقد الإمامين العسكريين وغيره من المراقد، وكما حدث في مصر وتونس وليبيا ومالي ونيجيريا لعدد من الأضرحة هناك.

كان بإمكان هؤلاء - لو كانوا يعقلون - أن يتعلموا من «حُجر» دروس الإباء والتضحية، خصوصا وهم يدَّعون أنهم ثوار يبتغون الحق والكرامة. كان بإمكانهم أن يستلهموا أجمل دروس الحب والعشق المقدس من سيرة هذا الصحابي العظيم، ولكنهم أبوا إلا أن يبقوا غارقين في الجهل مستمرئين بث الكراهية وسمومها من خلال خطابهم الإقصائي الاستعدائي.

حُجر بن عدي الكندي هو صحابي كما ذكره بعض المؤرخين والمترجمين. قال ابن عبد البر في الاستيعاب: وكان حجر من فضلاء الصحابة، وصغر سنه عن كبارهم. وقال ابن سعد في «الطبقات»: « وذكر بعض رواة العلم أنه وفد إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، مع أخيه هانئ بن عدي، وشهد حجر القادسية». وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء وفي تاريخ الإسلام: لحجر صحبة ووفادة، وكان صالحا عابدا يلازم الوضوء ويكثر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. كان شريفا مطاعا، من شيعة علي، شهد صفين أميرا. وقال أحمد «كما في الاستيعاب»: قلت ليحيى بن سليمان: أبَلَغَك أن حجرا كان مستجاب الدعوة؟ قال: نعم، وكان من أفاضل أصحاب النبي ﷺ. وذكر الحاكم في المستدرك أنه «راهب أصحاب محمد ﷺ ».

قصة حُجر ينبغي أن يقرأها كل باحث عن الحرية والكرامة وحقوق الإنسان. فالرجل كان مقاوما شريفا للظلم والاستبداد، ودفع نفسه الشريفة ثمنا لمواقفه البطولية المنتصرة للإنسان وعزته وكرامته. فقد كان - كما يقول الذهبي - يكثر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويعارض السلطة جهارا في تشريعها لسب علي على المنابر وجعله سُنة. وكعادة السلطة الغاشمة لا تطيق وجود أصوات معارضة لها وتسعى إلى تصفيتها بمختلف الذرائع، فقامت بجمع عدد من التواقيع من مجموعة من باعة الضمير على شهادة مزورة هذا نصها: «بسم اللّه الرحمن الرحيم. هذا ما أشهد عليه أبو بردة بن أبي موسى للّه رب العالمين، شهد أن حجرا بن عدي خلع الطاعة، وفارق الجماعة، ولعن الخليفة، ودعا إلى الحرب والفتنة. وجمع إليه الجموع، يدعوهم إلى نكث البيعة وخلع أمير المؤمنين معاوية، وكفر باللّه كفرة صلعاء». ولم يكتفِ ابن زياد بالموقعين، بل أضاف أسماء شخصيات أخرى أمثال شريح بن الحارث وشريح بن هانئ لم يأخذ موافقتها أصلا، إمعانا منه في الكذب والتزوير والتضليل.

وبناء على هذه الشهادة المزورة قُتل حجر وستة من أصحابه كما يذكر التاريخ في «مرج عذراء» بعد أن رفضوا الرضوخ للمساومة التي عُرضت عليهم. ذكر المسعودي في «مروج الذهب»: " «فلما وصل إليهم - رسول معاوية - قال لحجر: إن أمير المؤمنين قد أمرني بقتلك يا رأس الضلال، ومعدن الكفر والطغيان، والمتولي لأبي تراب، وقتل أصحابك، إلا أن ترجعوا عن كفركم وتلعنوا صاحبكم، وتتبرؤوا منه، فقال حجر وجماعته ممن كان معه: إن الصبر على حد السيف لأيسر علينا مما تدعونا إليه، ثم المقدم على اللّه، وعلى نبيه وعلى وصيه، أحب إلينا من دخول النار»

هذه بعض سيرة الصحابي الشهيد حُجر، والذي بقي قبره شاهدا على حقبة مظلمة من الاستبداد، وعَلَما منيرا لكل طالبي الحرية والعدالة والمساواة على مر العصور. لقد عاش حُجر بالحب ومات على الحب، وسيبقى رمزا للحب المقدس.

دمتم بحب.. جمعة مباركة.. أحبكم جميعا.