آخر تحديث: 14 / 5 / 2021م - 10:34 م

ليلة الوداع

إنه الفجر الحزين لليلة الوداع مع نور الهدى والحق وسراج المؤمنين في طريق الكمال والفضيلة، لقد اتشحت السماء بوشاح الحزن ومنظر الدموع المترقرقة لفاجعة هدت أركان المؤمنين، فمن يمسح بيده الحانية بعد اليوم على رؤوس اليتامى والمساكين ليخفف عنهم ألم الجوع والحرمان من بعده، لقد حان الرحيل بدون سابق إنذار وبصورة مفجعة آلمت قلوبهم وسودت الدنيا في وجوههم بعد أن فقدوا مصدر الأمان والشفقة والمشاعر الوجدانية الرقيقة، وما زالت ذاكرة الجميع تسجل اللحظات الآخيرة لهذا العظيم وقد عانق محراب الطاعة والعبادة يحذوه الشوق للقاء الله عز وجل وقد نال مناه بالفوز بوسام الشهادة.

لقد أحيا أمير المؤمنين ليلة الوداع بالعبادة التي لم يفارقها ولا مضامينها طوال عمره الشريف، عبادة وجه فيها فكره ومشاعره لله عز وجل، وأخضع كل جوارحه للإرادة والرضا الإلهي؛ ليرسم بذلك منهج تربية النفس للتخلص من أسر الأهواء وضياع بوصلة السعي بالعبادة الخالصة، العبادة التي يتلمس أثرها في خلقه الرفيع فما عهد منه من إساءة ولا تجاوزا على أحد ممن أساء له، عبادة تحرك مشاعره بالرقة والرحمة على الجميع، فلا يقر لعلي قرار ولا يتلمس راحة وفي أذنه أنين وألم المحرومين والمحتاجين، فكان - بحق - أبا لليتامى يعوضهم عن ألم الحرمان ويخفف عنهم وطأة الظروف الصعبة، عبادة ملأت قلبه بأسا وشجاعة منقطعة النظير في سوح الوغى.

فهذه وقائع رسول الله ﷺ تشهد له بالبطولة فقد زرع الرعب في قلوب أعدائه ما إن يسمعوا باسمه، ولذا فقلبه جمع الأضداد فهو ذلك الخائف المرتعب في محراب العبادة ينشج خوف المعاد، فيطلق الدنيا وما فيها ولا يفكر بشيء منها وهو بين يدي الله عز وجل، بينما تجده ذلك الأسد المنقض على فريسته بكل قوة في ساحة القتال، تجده ذلك الشديد في الحق ولا يداهن ولا يجامل أحدا، بينما تراه ذلك المتسامح في حقه فلا يجازي ولا يحاسب على خطأ ارتكب في حقه، وكل الدنيا وزينتها لم تفتن قلبه وتصرفه عن ذكر الله عز وجل.

وفي ليلة الوداع آخر ليلة من حياته أحياها بالتضرع والبكاء بين يدي الله تعالى، إنها كلمات ودموع العارف بعظمة الله تعالى والمعترف بالتقصير وهو الإمام المعصوم، كلماته ليست برص للحروف بل هي آهات النفس ونظر الفكر الرشيد وتعبير عما يجول في خواطره، وآه ثم آه وقد لاحت ضربة الغدر والفجور لتقطع ذلك الضياء المشرق على المعمورة، لقد حان الفراق واللوعة على الفقد؛ لتبقى ذكراه العطرة منار هدى يستنير بها المؤمنون على مر الأزمان فيترسمون خطاه.

محراب الطاعة والعبادة كان على موعد آخير ليعانق الأنس بصوت علي ونورانية حضوره الكامل، ولقد اصطبغ ذلك المحراب بلون الحمرة ليكون الشاهد على من أجرموا وكذبوا بأولياء الله تعالى وغرتهم الحياة الدنيا فخسروا الدارين؛ ليبقى علي أحرف الهداية والتقوى والتسامح والتكافل، وعلا صوت جبرئيل ناعيا فقيد التقى وحليف الزهد والحكمة والعلم، إذ برحيله حلت خسارة كبرى بالمؤمنين وخيم الحزن وأعلن الحداد؛ ليكون عيد الفطر في تلك السنة متشحا بالسواد والألم لفقد أبي المساكين واليتامى.