آخر تحديث: 14 / 5 / 2021م - 10:34 م

تأملات رمضانية 21

محمد أحمد التاروتي *

ظهور الخوارج على الساحة الإسلامية، بعد خديعة ”القرآن“ بمعركة صفين، شكل خنجرا في خاصرة الامة الإسلامية، نظرا للمفاهيم المغلوطة التي ظهرت لدى هذه الفئة، فقد خرجت بتصور جديد في التعاطي مع الأطراف الأخرى، جراء التزمت الشديد كنوع من ردة الفعل، ”لا حكم الا لله“، الامر الذي انعكس على اتخاذ مواقف متشددة، بالنسبة لخلافة الامام علي ، من خلال التكفير الصريح ”فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ اَلْخَوَارِجِ قَاتَلَهُ اَللَّهُ كَافِراً مَا أَفْقَهَهُ، فضلا عن خلع البيعة والخروج عليه بالسيف، بحيث تجلى في معركة النهروان، التي خاضعها سيد الاوصياء مع هذه الفئة، بعد العديد الممارسات غير الشرعية، التي ارتكبتها في عدة مواقع.

تعامل الامام على مع ظاهرة الخوارج، اتسم بالتسامح والسماح لهذه الفئة، بممارسة حقها السياسي في التعبير عن ارائها، حيث واصل في تخصيص العطاء للخوارج، وكذلك عدم التعرض لهم في المواقف السياسية، بيد ان السياسة التسامحية التي اعتمدها الامام علي ، فهمت بالطريقة الخاطئة، بحيث اتخذ الخوارج اليات ووسائل خارجة، عن سياق المعارضة السياسية السلمية، من خلال اعتماد العنف وحمل السلاح، الامر الذي افضى لمواجهة هذه الفئة الضالة، مما ساهم في القضاء على غالبية الخوارج، في معركة النهروان، فقد اسفرت المعركة عن قتل عدد كبير، بحيث لم يتجاوز عدد الناجين أصابع اليدين، بعد فرارهم من ساحة القتال بعد الهزيمة الساحقة. فالامام علي كشف حقيقة هذه الفئة الضالة، حينما ردد قول الخوارج ”لا حكم الا لله“ بقوله ”كلمة حق يراد بها باطل“.

المروق عن الحق والدين، وصياغة مفاهيم مغلوطة، تمثل بداية الانحراف، والدخول في مسارات خطرة للغاية، بحيث لا تقتصر تلك المخاطر على الاطار الضيق، وانما تشمل الكثير من المناحي الدنيوية والاخروية، خصوصا وان الخوارج استفادوا من الحرية السياسية الممنوحة، في ظل عهد الامام علي ، في نشر تلك الأفكار المنحرفة، مما ساهم في تكريس تلك المفاهيم الخاطئة، والعمل على تطبيقها على ارض الواقع، من خلال التحرك باتجاه العنف، وترك العمل السياسي السلمي، حيث تجلى في ممارسة الفظائع، وارتكاب الكثير من الجرائم المحرمة، منها بقر بطن الحوامل وقتل الصحابة، وغيرها من الممارسات الفظيعة، تحت غطاء ديني مغلوط، وغير صحيح على الاطلاق.

التدين المعكوس الذي تبناه الخوارج، منذ اللحظات الأولى، تجلى في فرض التحكيم على سيد الاوصياء ، بعد خديعة عمرو بن العاص، ورفع المصاحف في معركة صفين، حيث اجتمعت هذه الفئة على الامام علي ، لا جباره على إيقاف القتل، تحت تهديد السيف، بينما لم يجد الامام علي مناصا من إيقاف القتال، بالرغم من محاولاته كشف الخديعة، التي اعتمدها معاوية بن ابي سفيان، بعد الإحساس بالهزيمة الساحقة، فقد كان الانتصار في معركة صفين قاب قوسين او ادنى، بيد ان انعدام الوعي الديني ساهم في احداث شرخ كبير في الامة، نتيجة بروز هذه الفئة الضالة، التي اعتمدت المفاهيم المغلوطة، والتكفير الصريح للخليفة، انطلاقا من قراءات ملتبسة، وغير صحيحة لبعض النصوص الدينية.

اثر التدين الخاطئ لدى اتباع الخوارج، تجلى في الجريمة الكبرى، التي ارتكبها عبد الرحمن بن ملجم ”لعنه الله“، حينما اقدم على قتل سيد الاوصياء ، في محراب الصلاة بشهر رمضان المبارك، فهذه الجريمة النكراء تكشف مدى الانحراف الكبير، الذي وصلت اليه هذه الفئة، وقدرتها على بث مفاهيم، غير صحيحة على الاطلاق، خصوصا وان عملية الاغتيال نفذت بغطاء ديني، والعمل على اصلاح الخلل الحاصل، بعد معركة صفين، وما خلفها من التحكيم، ”فقد تعاهد بعض الخوارج على قتل معاوية بن ابي سفيان وعمرو بن العاص وكذلك الامام علي“ ع " في بيت الله الحرام، مما يعطي دلالات بقدرة التدين المعكوس، في التخريب بجميع الاتجاهات، بحيث لا يقتصر على الجوانب الدينية والثقافية، وانما يشمل تخريب الانسان بشكل عام.

كاتب صحفي