آخر تحديث: 24 / 10 / 2021م - 9:24 م

علي (ع) الإنسان

إنها العدالة التي خطها أمير المؤمنين بأنامله الشريفة؛ ليقدم نموذجا رائعا وفريدا للبشرية لتتجه نحو العلياء والسمو الروحي بعيدا عن الظلم والأحقاد.

الإنسانية المكرمة في الفكر والمشاعر والعطاء والتكافل والحنو على الضعفاء تجسدت في أعلى درجاتها في شخص أمير المؤمنين ، والذي كان أروع مثال في تطبيق طريق الفضيلة والتفاني، لقد أسلم علي نفسه لله عز وجل فبذل عمره الشريف في كل تنوعاته وتقسيماته لرضا المعبود، لم تكن العبادة عنده تقتصر على المصداق الأبرز من الصلاة والصوم وتلاوة القرآن الكريم، بل كانت كل كلماته وسكناته وحركاته عبادة يقصد بها وجه رب العالمين، ففي منطقه الحكيم الذي يقدم للناس تلك التوجيعات التربوية والفكرية ميدان عبادي يقصد به إخراج الناس من ظلمات الجهل إلى نور المعرفة، وهذا الكنز الثمين بين أيدينا - وهو نهج البلاغة - يحتوي على لآليء ثمينة حري بكل واحد من السائرين على نهجه أن يتقلد إحداها تدبرا وفهما وتطبيقا، فهذا التراث المعرفي لم يكن لمجرد القراءة والاطلاع، بل هو منهج تطبيقي لا غنى عنه في تهذيب وتربية أنفسنا وأبنائنا على حب الكمال والصفات الحميدة.

وعلي في عبادة حينما يعتلي منبر التنوير والمعرفة فينهل منه تلاميذه ويغرفون من معينه العذب، وهو في عبادة حينما يتفقد أحوال الآخرين ويسأل عن شئونهم، فلا غنى لأحد عن نظراته الرحيمة ويده الحانية وكلماته الرقيقة التي ترفع عن المحتاجين واليتامى ألم الحرمان، وعلي في عبادة حينما يضحي بنفسه في سوح الوغى دفاعا عن بيضة الإسلام ودفعا لمكر أعداء الله عز وجل، فما راعه الموت يوما بل رسم في مخيلة الناس كلها اسمه بالرعب وارتعاد الفرائص في ساحة القتال، إنه بحق التحفة الإنسانية المهداة لجميع البشر ليتأملوها ويستلهموا الدروس والعبر من سيرته الغراء.

وكفانا تعريفا بشخص ومكانة أمير المؤمنين ما ورد على لسان أفضل الخلق النبي محمد ﷺ حينما جعله ميزانا للعدل والحق، فقال ﷺ: علي مع الحق والحق مع علي»، نعم فتجسيد وتطبيق مباديء وقيم الدين الحنيف لا تفارق أبدا ظلال علي ، وجعله ﷺ مع بقية العترة الطاهرة عدل القرآن الكرين حينما قال: إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي»، فهو القرآن الناطق العالم به والعامل به والمعرف بأحكامه ومعانيه، فهو من الراسخين في العلم الذين وعيت أفهامهم المقاصد القرآنية.

كما أن سيرته تبين مقامه الرفيع وتحليه بالقيم والأخلاق بأعلى مستوياتها، فهو باب مدينة العلم والحكمة التي حوت علم رسول الله ﷺ وكان الوعاء الذي يتلقى منه المعارف، ولقد كان في عدله مدرسة أعطت الدروس في الحفاظ على حقوق الغير وتجنب كل ألوان الظلم، وفي سوح الوغى فهو ذلك البطل الصنديد الذي حمل روحه بين يديه دفاعا عن الحق والقيم الإسلامية، وقد صرع بسيفه الأبطال الشجعان فكانت ضرباته الآحاد علامة على الطرف المقاتل الآخر.

لم يكن يوما أمير المؤمنين يمايز في التعامل بين الناس على أساس عنصري أو طبقي، بل كان يتعامل وفق المبدأ الإنساني فلا فرق عنده بين واحد وآخر إلا على أساس الحق وحفظ الحقوق، فيأمر بالعطاء من بيت مال المسلمين لكل محتاج وفقير بغض النظر عن انتمائه، بل وكان منصفا حتى مع أعدائه فما حركه يوما الهوى أو العاطفة الحاقدة العمياء - حاشاه -، وفي تعامله مع قاتله ابن ملجم ما يدل على الروح الإنسانية العالية عنده، فإنه أمر بأن يكون طعامه من نفس الطعام الذي يقدم له ، كما نوه على ترك روح الانتقام الأسود في التعامل معه إن هو استشهد، بل قال : فإن مت فإنما هي ضربة بضربة، أي يمنع التعرض لابن ملجم بالتمثيل والتشفي منه.