آخر تحديث: 24 / 10 / 2021م - 9:04 م

أسلوب التحذير في تقويم السلوك

ورد عن أمير المؤمنين : «قعرُها بعيدٌ، وحرُّها شديد ٌ، وشرابُها صديد، وعذابُها جديد، ومقامعُها حديد، لا يفترُ عذابُها، ولا يموتُ ساكنُها» «بحار الأنوار ج 8 ص 286».

من أساليب التربية في النهج العلوي هو التحذير من عواقب الأمور والنظر في نتائجها الوخيمة المترتبة عليها قبل الإقدام على أي خطوة، فهذا ما يحكم به العقل الواعي في التقدم نحو أمر له نتيجة سلبية فيتراجع عنها، فكيف بمن يقارف المعاصي ومخالفة الأوامر الإلهية فيعرض نفسه حينئذ لغضب جبار الجبابرة وعقوبته مما لا يقوى على مسها لحظة واحدة؟!

وهذا الأسلوب التحذيري لا يمكن أن يقال عنه بأنه أسلوب تهديد يضعف شخصية المؤمن ويحييه تحت تصورات الألم والعذاب، بما يصيبه بالهزيمة النفسية واليأس والسقوط أمام أي ذنب يرتكبه، إذ عقدة الذنب ستترسخ في نفسه مما يعيقه من العيش متحليا بالسلام النفسي والتصالح مع الذات!!

والسبب في ذلك أن جناح النصح والإرشاد الديني في ميدان العمل يتعانق فيه التبشير وبث الأمل بالله عز وجل، وتعرض أمامه صورة الثواب والنعيم الأخروي في الجنة متلازما مع عرض صورة عذاب نار جهنم لمن عصى، وهذه الإشارة من أمير المؤمنين تنبيه للمرء قبل أن يقدم على أي خطوة أو كلمة بأنها ستسجل عليه وتشكل لبنة ومفردة من سجل أعماله، تماما كما يفعل المعلم في بداية السنة الدراسية بحث طلابه على الجد والاجتهاد والتحذير من التهاون والكسل الذي نتيجته المخيبة واضحة.

بل إن عرض صورة العقاب ووضعها بالحسبان قبل الإقدام على أي فعل أو النطق بحرف، سيقودنا نحو الحذر والتنبه وأخذ الحيطة والتفكير مليا والنظر في نتائج وعواقب الأمور، وهذا ما يمنحنا منعة أمام المغريات والتفكر مليا فيما سيجري علينا جراء الاستجابة لصوت الشيطان والوقوع في حبال غوايته، فتلك الصورة البلاغية الجميلة والدقيقة التي يعرض فيها النهج العلوي لمثوى العصاة الغافلين وما سيواجهونه هناك من عقوبات لا تقاس أي عقوبة دنيوية مهما بلغت بأدنى شيء منها!!

فالنار الدنيوية لعل هناك باب نجاة منها بسبب الهروب من لهيبها الحارق، أو ينجو منها بسبب المساعدة السريعة له من فرق الإطفاء أو الجيران الذين يهرعون لإخراجه منها، وأما نار جهنم فلا منجى ولا خلاص ولا مهرب من لهيبها، فأقصى أماني الماكثين فيها أن يجدوا لحظات راحة وأوقات استراحة مستقطعة فلا ينالون من ذلك شيئا ولا يسمع لقولهم وطلبهم، بل يتمنون الموت في نار جهنم الذي يخافون من مجرد ذكره في الدنيا لعلهم يرتاحون ويتخلصون من العذاب الأليم ولكن لا فائدة من ذلك، وكل هذه الأوصاف المذكورة لنار جهنم في القرآن الكريم وعلى لسان أمير المؤمنين ما هي إلا أجراس إنذار ليصحح المرء سلوكياته وفق منظومة الحذر والنظر في العواقب.

ومع كل تلك المنبهات ولا تجد سمعا واعيا عند كثير من الناس ممن يتبعون الشهوات ولا يخشون المصير القاتم لاقتراف الخطايا في يوم القيامة، وهناك عدة عوامل تؤدي إلى حالة السبات الروحي والغفلة العقلية مما يؤدي إلى الاستمرار في الغي وخط الانحراف، ومن تلك العوامل قسوة القلب وفقدانه الإحساس بألم المخالفات وما يعقبها من ألم ارتكاب الذنب، فتغلق مسامع القلب عن كل موعظة يسمعها فلا يصغي لها، ويصاب ببلاهة في نظره فلا يتعظ بحالات الموت المتكررة في كل يوم، فلا يرى نفسه سيحمل يوما على الأكف في النغش كما يفعل مع من سبقوه في الرحيل، يغيب عن عقله حقيقة غائبة عن الدنيا بأنها مقر مؤقت سرعان ما يفارقها ليسكنها غيره.

كما أن الأماني الفارغة تبث فيه طول الأمل فيبقى رهينا لتطلعاته المستقبلية الحاملة لروح الطمع والممزوجة بطول الأمل، فيفقد تقيده الإنساني والديني والأخلاقي وينغمس في تحصيل الثروات والوجاهات المزيفة، أفما آن له أن يرعوي ويستيقظ من غفلته ويتوب إلى الله توبة نصوحة، تجنبه التعرض لنيران جهنم وما أعد فيها من ألوان العذاب على ما اقترفه في الدنيا؟!