آخر تحديث: 24 / 10 / 2021م - 7:57 م

فاعل خير

وسيمة عبيدي * صحيفة اليوم

استيقظ خالد صباحاً، لبس أحسن ملابسه، رتب شعره، تعطر وغادر المنزل. التقط صديقه إسماعيل من النادي، الذي كان دائماً ما يسأله عن سبب محبة الناس له، وأخذه معه ليساعده وليتعلم شيئاً جديداً يفيده في حياته. في الطريق، توقف لشراء باقة من الزهور ثم انطلق للجمعية الخيرية، قسم كبار السن هذه المرة.

لقد زار الأسبوع الماضي قسم ذوي الهمم ممن ابتالهم الله بإعاقات جسدية وأهداهم بعض الألعاب، وزار قسم المتخلفين عقلياً الأسبوع، الذي سبقه وأسعدهم ببعض الحلوى والشوكولاتة، أما هذا الأسبوع فقد قرر زيارة قسم كبار السن أو ما درج على تسميته ب «دار العجزة».

تستقبل الجمعية الخيرية في قسم كبار السن كل مَنْ تقدم في العمر وعقه أولاده وتخلوا عنه من آباء وأمهات. تدور حياة خالد بين البيت، العمل وزيارة الجمعيات الخيرية والمستشفيات بعد انتهاء دوامه. تابعه الملايين حول العالم وأحبه الناس كثيراً بسبب حبه لفعل الخير. أصبح مصدر إلهام للكثيرين، الذين يتداولون صوراً ومقاطع فيديو له مع الفقراء تارة، وذوي الهمم أو كبار السن تارة أخرى. عندما وصل خالد وإسماعيل للجمعية الخيرية، استقبلهما ساكنو الدار بفرح شديد، فهم نادراً ما يستقبلون زواراً من الخارج.

لقد نسيتهم عوائلهم وحتى أولادهم وبناتهم، الذين تعبوا في تربيتهم وتعليمهم وبذلوا الغالي والنفيس في سبيل ذلك، رموهم في الدار ولم يسألوا عنهم. لقد كان خالد حريصاً على أن يزور جميع مَنْ في الدار. فكان يدخل غرفة تلو الأخرى، يهدي قاطنها وردة ثم يجلس قليلاً ليحدثه وليسمع منه أجمل القصص عن أيام زمان وروعة أيام زمان حينما كان البشر بشراً يملؤهم الحب والإنسانية، وكيف كانت الدنيا بخير قبل أن تهجر الطيور أعشاشها وقبل أن يكبر الأطفال فيهربوا من أهاليهم وينقلبوا على أوطانهم ودينهم، قبل أن يعق الأبناء آباءهم ويقاضوهم ويزجوا بهم في السجون أو في الجمعيات الخيرية ثم ينسونهم للأبد. لقد كان حريصاً أيضاً على تصوير كل القصص ونقلها لمتابعيه في مختلف وسائل التواصل الاجتماعي.

كانت مهمة إسماعيل أن يصور جميع تحركات خالد وتصرفاته، وكان خالد يتعمد حفظ واستخدام المصطلحات القديمة، التي لم تعد متداولة في أوساط الأجيال الجديدة؛ وذلك ليجتر قصة من هذا أو يرقص ويهرج ليحظى بضحكة من ذاك. كانت الدار تحوي 25 غرفة، زارها إسماعيل، وخالد، جميعهاً ما عدا الغرفة رقم 20 التي لم يقتربا منها إطلاقاً. لقد تساءل إسماعيل كثيراً عن سبب عدم زيارتهما للغرفة رقم 20، هل لأن قاطنها بلغ به الكبر لدرجة أنه أصبح لا يميز فيها شيئا أبداً؟ لكن أليس سبب زيارتهما للدار هو إدخال السرور على ساكنيها بغض النظر عن إدراكهم للأشياء والاشخاص من عدمه؟ إضافة لأنهما زارا نزيل الغرفة 21 وهو رجل بلغ من العمر 101 سنة ولا يستطيع الحركة ولا الكلام. دارت تساؤلات كثيرة في رأس إسماعيل لكنه سرعان ما نسي الموضوع.

بعد يوم حافل، توجه الاثنان للخروج وهما يودعان المسنين وأفراد طاقم التمريض والعناية الذين يعملون في الجمعية. قبل وصولهما لبوابة الخروج، مر خالد على ممرض آسيوي وأعطاه 50 ريالاً هدية وشكره على العناية بوالده، الذي يسكن الغرفة رقم 20 وطفق خارجاً مع صديقه، الذي فغر فاه وبلع لسانه من شدة الدهشة!