آخر تحديث: 20 / 1 / 2022م - 1:12 ص

مزرعة أو بستان

المهندس أمير الصالح *

سأسرد في المقال التالي موقف وتغريدة ثم أعرج على نقاش قد يهم البعض من الناس.

موقف:

كان أحد كبار الملاك للمزارع يلمز في أحد أقرباءه في مجلس مفتوح بالقول تهكما: هل لديك مزرعة؟ مع علم السائل المُسبق بعدم امتلاك ذلك الرجل لمزرعة. فرد عليه بلمح البصر وبكل ثقة ووضوح صوت وسلاسة ورزانة: بل لدي كل مزارع الدنيا، فلماذا أتكبد عناء القلق على توفر الماء لها والحرص على وجود العمال في المزرعة وحسن الحفاظ على قطاف الثمار وكل هدفي هو حيازة المحصول الناضج السليم. فبحمد الله وتفضله، مزارع الدنيا تجلب خيراتها إلى سوق الخضار والفواكه بالمدينة، وكل ما علي هو الذهاب لسوق الخضار والفواكه وشراء ما أحتاج إليه لأستمتع بأكله وقضاء أطول وقت هانئا. وإن احتجت أن أكحل عيناي برؤية بساط أخضر ممتد، فيمكنني استئجار مزرعة لمدة يوم أو أكثر. فسكت ذاك المتهكم المغرور بما استخلفه الله من نِعَم.

تغريدة:

غرد قبل بضع أيام الدكتور محمد بالتغريدة التالية، انقلها مع بعض التصرف: ”حلم التقاعد للبعض: كرف وتفاني الشباب ينتهي بمزرعة في الديرة مع مستحقات التقاعد ومعاها تاهو أو سيارة حوض“. وهذا أفق قد يطمح إلى تحقيقه البعض وقد يتجاوزه البعض الآخر إلى ما هو أكبر من ذلك وقد لا يراود مخيلة البعض أي اهتمام بذلك.

يحرص البعض على امتلاك مزرعة أو نخل أو بستان أو منتجع مع تعهد كامل بالنظافة والمتابعة والعناية والسقاية والتقليم للشجر والحرث للأرض والرش للمبيدات والزرع في المواسم لكل أجزاء المزرعة. ولعل الدافع للامتلاك للمزرعة في بعض جوانبه هو الاستمتاع في اكتشاف الوجود بعيون جديدة وهي عيون حيازة جزء من الوجود. أو يكون الدافع لحيازة المزرعة هو دافع اقتصادي بهدف تنوع موارد الدخل المالي أو إحراز وجاهة اجتماعية أي أنها عملة اجتماعية قوية في مجتمعه.

عزيزي القارئ / القارئة، دعني أسبح معك في معنى آخر لمعنى مزرعة، وهذا المعنى يمس كل شخص منا سواء يمتلك أو لا يمتلك شي من حطام الدنيا. فكرة المزرعة المعنوية هي فكرة مُنتزعة من حديث نبوي شريف وينص الحديث على أن الحياة مزرعة الآخرة. ومن الجميل كما يحرص المزارع في سقي الزرع والاعتناء به وتقليمه وتشذيبه وحمايته من الحشرات والنيران، على الأب والأم والأخ والجد والابن الأكبر، أن يحرص كل منا ومنهم أن تكون حياته مملوءة بالسعي المحمود والحميد وغرس مفاهيم الخير وزرع روح التفاؤل وبذل ما يمكنه بذله، بدل أن تكون الحياة عنده مليئة بالمبالغات في القلقِ على ما في الدنيا، أو حرمان النفس من الاستمتاع بما فيها من الخيرات أو تفويت اقتناص فرص السعي بالخير لحصاد حياة أبدية أكثر سعادة بعدها. يُقال بان السعيد من لم يتعلق بما في الدنيا ولكن من أحسن استخدامها.

يعلم أهل اليقين والبصيرة والعقل الراجح أن كل شيءٍ في هذه الدنيا هو مؤقت وإلى اندثار والمزرعة واحدة من تلك الأشياء المندثرة، والعبرة في ذلك هو توظيف تلكم المعرفة لزرع أفضل ما فينا وحصاد ذلك الزرع للأخلاق وحسن المعاملة في الدنيا والآخرة.

أخي المتقاعد المتمكن ماليا لا تحرص كل الحرص على امتلاك مزرعة في الديرة أو حيازة بستان في دولة جورجيا أو امتلاك شقة في بيروت أو فيلا في دبي أو مزرعة قهوة في البرازيل أن كانت للوجاهة وقضاء وقت للاسترخاء بقدر الاهتمام بالبحث عن جودة قضاء الوقت مع من تحب. ‏فكرة استثمار الدنيا كمزرعة للآخرة فكرة مبهجة ومحفّزة، فكرة أن لديك فرصة لتثمين جهودك في زمن مستقبلي بدلًا من هدرها، فرصة أن لديك خيار لتحسين حياتك الطويلة على حساب التضحية بثواني أو دقائق أو أيام في حياتك، هذه الفكرة مُدهشةٌ ومن الجميل غرسها في جنباتنا والعمل بها في حياتنا.

همسة 1:

أشكر كل من ساهم ويساهم في زيادة الغطاء الأخضر في دولتنا الحبيبة. ولا ننسى أن استصلاح أرض صحراوية إلى أرض زراعية ما قبل التقنيات والنفط كان جهود متراكمة عبر أجيال وأجيال وسلة غذاء يتكئ عليها وهذه أمانة في الأعناق علينا وعلى الأجيال اللاحقة الحفاظ عليها.

همسة 2:

شخصيا، أنا ممتن لكل فلاح ومزارع حول أرض قاحلة بجهوده المضنية إلى أرض زراعية تسر الناضرين وتكسر لون الصحراء الجرداء وتلطف الأجواء وتساهم في استيطان الأرض وتأمين بعض الغذاء. ومتن لكل مساهم ماليا من المتقاعدين والمستثمرين لبلوغ ذات الأهداف.

همسة 3:

أرجو من العقاريين أن يستثمرون في بناء المساكن على أراض غير أراض الغطاء الزراعي. فنحن وإياهم في أمس الحاجة للغطاء الأخضر في بيئتنا لنسعد وإياهم في مُدننا.

همسة 4:

أرجو من المتقاعد أو المستثمر المتمكن ماليا أن لا يحول المزرعة الناضرة الجميلة والمنتجة إلى ديوانية / مجلس استقبل وودع وصور. فالغطاء الأخضر تم بجهود أجيال وليس نزوة ثراء.

همسة 5:

المزرعة ترتبط ارتباط وثيق بالثروة المائية ولذا من المهم على الجديد في عالم الزراعة من الناس لحاظ الاعتناء بالثروة المائية عند تشغيله غطاس الماء في مزرعته.