آخر تحديث: 23 / 10 / 2021م - 12:17 ص

أنوار الإمام الرضا

في طريق رسم منهج تربوي رصين يزخر بمعالم الألق والقوة والاتزان في شخصية الإنسان، نحن بحاجة إلى دراسة معمقة ومتأنية في معالم حياة وسيرة الإمام الرضا ، وما كان عليه من رقي روحي وعبادي ومعرفي وأخلاقي واجتماعي تنضح به الأحاديث المروية عن جوانب من عطاه وعظمته ، ومن ثم الانطلاق نحو تحليلها وتحويلها إلى ومضات مشرقة نستفيد منها الدروس والعبر في ميادين الحياة، فهؤلاء العظماء في سيرتهم وكلماتهم ما يروي العطاشى من طالبي المعرفة الحقة والاستقامة السلوكية.

وأنى للأقلام أن تفي قدر تلك الأنوار المتلألئة من جوانب العظمة والسمو والرقي في شخصية الإمام الرضا ، وما كان عليه من مكارم وفضائل جعلت القلوب تنجذب وتهفو إليه والعقول تقر بقدره ومكانته العلمية العالية، إذ أن الشخصية الناجحة والراقية تمتاز بصفات الكمال في الجانب المعرفي والأخلاقي والاجتماعي، فتحكم الناس على شخصيته من خلال ما ينقل عنه من كلمات الحكمة وتلك المواقف التي تبين احترامه وتقديره وتواضعه للناس مع علو شأنه، فكيف بمن ساد الأنام بما يمتلكه من قدر عال من العلم والرقي التربوي والأخلاقي الذي يشهد به كل من تعامل معه، وكذلك يوقفنا على أبعاد نورانية إذا طالعنا تلك السيرة الشريفة بما تحمله في ثناياها من ألوان الألق في علاقته بربه ونزاهة نفسه وطهارتها وما كان يحمله من معارف قرآنية وفقهية ومداميك عقائدية يرشد بها ويوجه نحو الهدى والصلاح، فلننظر بأعين بصيرتنا نحو هذه الصورة الواضحة التي تحمل مضامين متعددة حول علمه وحيائه وزهده وتواضعه وسائر فضائله، فمن اقتدى بهذا الإمام العظيم وجعل نصب اهتمامه ومتابعته وجهده هذه الصفات الحميدة الرائعة، فإنه يبني شخصيته ويكسوها بالفضائل والتزام سمت التقوى والاستقامة والخلق الرفيع.

والإمام الرضا حلقة من حلقات الإمامة والتحلي بالمكرمات والفضائل بأعلى مستوياتها، فهم أشعة شمس الهدى والحق منبع علمهم وأخلاقهم واحد يستقون منه، فالإمام الرضا في سيرته وعطائه وشرف أخلاقه كما كان عليه آباؤه الطاهرون يحتذى بفضائلهم وتنار العقول بهدي معارفهم، إنه النهج الأخلاقي والتربوي لصناعة وصياغة شخصية المؤمن وفق تلك التعاليم التي تسمو بالمرء في فضاء الطهارة النفسية والمعارف الحقة، فالتدين في نظرهم الشريف ليس بتمسك بصورة عبادات جوفاء تخلو من القيم والمضامين العالية المؤدية للتحلي بالتقى والخلق الرفيع، ويشهد كل من عاشر الإمام الرضا بما كان عليه من أدب رفيع في التخاطب والتعامل مع الآخرين وخصوصا من تحت يده من العبيد، فقد كان مدرسة في التعامل بالحسنى واحترام الآخر والخطاب الهادئ حتى مع المخالفين فكريا، وتنقل مصادر التاريخ أنه من شدة تواضعه يجالس عبيده ويؤاكلهم على مائدة واحدة، بما لم يكن يفعله غيره لما عرف عندهم من طريقة التعامل المترفع مع العبيد، بينما يؤكد الإمام في فعله ذلك أنه لم يكن يقيم للدنيا وزخارفها أي قيمة ولم يتغلغل قط حبها في قلبه كما يحدث للكثير ممن تقبل عليهم الدنيا بجزء بسيط من زينتها، وحتى في تلك الفترة التي عين فيها وليا للعهد أراد الله تعالى إظهار المعدن الأصيل لأوليائه، حيث لم يتغير شيء من بساطة وتواضع الإمام الرضا .

لقد سار الإمام الرضا في نهجه الرسالي كما كان آباؤه في جميع جوانب العظمة والعطاء، فقد كان مقبلا على محراب الطاعة والمناجاة مستانسا بذكر الله تعالى، وراسما خط العبودية الحقة للمؤمنين من خلال تلمس بناء شخصياتهم بتحصيل مضامين العبادات كالطمأنينة والتسليم بقضاء الله تعالى وخوف المعاد.

وفي خط العطاء وعمل المعروف وتلمس حوائج الناس كان الإمام الرضا من حلقات الجود والإيثار بما تحت يده في سبيل تخفيف وطأة الفقر والحاجة على الناس، فهذا الليل الحالك يشهد بما كان عليه من صدقة في السر يقدمها للمحتاجين، فما إن يرخى ستار الظلام حتى ينطلق متنقلا بين بيوت الفقراء بجراب الطعام كآبائه ، فلم يكن شيء أحب إلى قلبه من الإحسان وصنع المعروف، فذاك أقصر الطرق إلى طلب مرضاة الله تعالى بالحنو والشفقة على عباده.