آخر تحديث: 8 / 12 / 2021م - 3:09 م

الفرد والفردانية والكتابة

محمد الحرز * صحيفة اليوم

إذا صحت مقولة إن الفرد لا يعي فرديته وأبعادها وحدودها إلا إذا وثق بالكتابة - بأي صورة كانت - كل المسارات التي يرتادها ويعيشها في حياته، فإننا في هذه الحالة لم ننجز إلا القليل في فهم فرديتنا كمبدعين ومفكرين وأدباء، على الأقل في حدود بعض المجتمعات العربية.

لكن قبل تبيان العلل والأسباب، ينبغي تبيان القصد من الفردانية وارتباطها بالكتابة.

أولا - ثمة فرق بين الفردية والفردانية، فالأولى صفة أكثر ما تتواجد في المجتمعات التقليدية ذات السلطة الأبوية، بينما الأخرى ظاهرة نشأت مع تحول المجتمعات إلى الحداثة وإفرازاتها كالعولمة وتحرر الأسواق والليبرالية والديمقراطية والعلمنة.. إلخ.

لكن منشأ الالتباس بينهما هو اقتران معنى الفردية في الأذهان بالأنانية، ويكاد ينسحب هذا المعنى عند الكثيرين على مصطلح الفردانية رغم الاختلاف الكبير بينهما.

قد تفرز البيئة الاجتماعية التقليدية من خلال عاداتها وتقاليدها وسلوكها التربوي الأبوي أشخاصا أقوياء يعبرون بخلاف ما هو سائد عن رغباتهم وآرائهم الذاتية ويمارسونها دون خوف أو وجل كظاهرة الصعاليك، التي عرفها العرب ما قبل الإسلام.

لكن بالنهاية خياراته في اتخاذ مواقف تعبر عن شخصيته وفرديته تكون عادة محدودة بسبب البنية الاجتماعية شديدة الانغلاق، التي لا ترى في الخروج عن الجماعة سوى الانعزال الشاذ، بل وحتى الموت الرمزي، الذي يؤول بصاحبه بعض الأحيان إلى النبذ والطرد، وقد قال قديما طرفة بن العبد: «إلى أن تحامتني العشيرة كلها... وأفردت إفراد البعير المعبد».

أما الفردانية، فهي خلاصة تجربة المجتمعات الغربية في مسيرتهم في الدخول للحداثة، وهذه الخلاصة تجلّت في جميع مجالات الحياة لديهم: الاقتصادية والسياسية والفكرية والاجتماعية والدينية والأدبية، فالرابط بين جميع هذه المجالات وتناغمها هو إيمان الفرد العميق بحريته، لأنها ترسخت كقيمة متأصلة في حياة هؤلاء باعتبارهم أفرادا.

ثانيا - وفق هذا المعيار الذي هو الحرية، والذي به يرتفع الالتباس بين الفردية من جهة والفردانية من جهة أخرى، يمكننا أن نسوق الأسباب والعلل. لكن ارتباطها بالكتابة تحتاج إلى تفصيل أيضا.

حين تجيل النظر في مكتباتنا العربية لا تكاد تجد توثيقا شاملا يمس كل الجوانب، التي تتعلق بحياة المجتمعات والأفراد في أدق تفاصيلها اليومية. هناك بالطبع مؤرخون وكتَّاب في جميع المجالات قديما وحديثا. لكن في الأغلب الأعم يكمن خلف كتابتها إما دوافع سياسية أو إيديولوجية أو طائفية ممزوجة في القليل من توجهاتها بالمنحى الأنثروبولوجي.

وبالتالي تفتقر هذه المكتبات بتوثيق العديد من المجالات كتابيا في الحياة العربية كالتقاليد في الملابس والأزياء وأسرار المطابخ والأكلات في مختلف المدن، وتنسيق العمارة وبناء المنازل والأحياء وأسرار العلاقات الأسرية والجنسية وتقاليد الرقص... إلخ من المنحى الكتابي، الذي يسلط الضوء على المساحة المتاحة للفرد، الذي يمارس فيه حرية سلوكه واختياره بعيدا عن مؤثرات السياسة والدين والسلطة الاجتماعية.

وهذا أكبر دليل كما يؤكد الكثير من علماء الاجتماع العرب أن ذاكرتنا العربية ما زالت شفوية لا تاريخ كتابي لها، وما زالت الصلة مقطوعة أيضا بين اللغة العربية وبين مختلف اللهجات في الأقطار العربية، وكأنهما يعيشان في عالمين مختلفين تماما، فلا تأثير ولا تأثر.

بيد أن بروز أشكال كتابية أدبية عربية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بمصر تحديدا، حيث كانت تعبر عن النزعة الفردانية، التي تمثلت في المسرح والسير الذاتية والرحلات والمشاهدات كان سببها الرئيس الاحتكاك بالثقافة والحياة الأوروبية، فبرزت ضمن هذا الإطار كتابات جبران خليل جبران ومصطفى لطفي المنفلوطي كنموذجين أثرا بشكل واسع على مجمل القراء العرب؛ لأنهما أخرجا الكتابة الأدبية من القاموس التعبيري واللغوي العربي التقليدي المتخشب.

لكن سرعان هذه النزعة لم تترسخ لاحقا في العالم العربي، ولم تتحول إلى تقاليد عامة في الكتابة، لأن الحرية التي كانت شبه متاحة في مدن تلك الفترة، انحسرت تماما في مدن اللحظة الراهنة، وعليه لا أثر للنزعة الفردانية ما دامت حرية الفرد مغطاة بوابل من القمع والاستبداد.