آخر تحديث: 23 / 10 / 2021م - 12:17 ص

بين ضابطة العقل أو الشهوة

قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُريدُ أَن يَتوبَ عَلَيكُم وَيُريدُ الَّذينَ يَتَّبِعونَ الشَّهَواتِ أَن تَميلوا مَيلًا عَظيمًا [النساء الآية 26 - 27].

يتمتع كل مجتمع بهويته وقيمه وظواهره السلوكية التي يمكننا بحسب المعيار الأخلاقي والذوق الفكري والاجتماعي أن نحكم عليها بالإيجابية أو السلبية، فهناك عنوان ثقافي وتربوي يتضمن كل معاني العقل الراجح والتعامل الإنساني الراقي، وممارسة الحريات مع الحفاظ على الحقوق الفردية ووفق المصالح والمنافع، ومتى ترسخت وتجذرت تلك القيم والسلوكيات وطريقة التفكير في شخصيات النشء منذ الصغر أثر ذلك على تمظهر المجتمع بمعالم التسامح ونزاهة النفس وطيبها في التعامل، فالقيم الأخلاقية سور يحمي الفرد والمجتمع من انفلات الغرائز والشهوات والأهواء والانفعالات الشديدة، والتي لا ينجم عنها إلا الدمار والخراب وفقدان الأمان المجتمعي وحالة الضياع والتخبط التي يسقط فيها الأفراد، فهذه التوجيهات الأخلاقية تدعو إلى تطهير النفس من أغلال شهوات الطمع وتفلت النزوات وضبط الانفعال لتسود علاقاتنا الاجتماعية التسامح والاحترام والتعاون والثقة، ومما يلفت الأنظار هو حالة التدهور في الجانب الفكري والهبوط المتمثل بتلك السلوكيات المنافية للذوق والأخلاق وغير المقبولة في أعراف المجتمعات الراقية.

ومن المهم في البحث عن تلك الظواهر المتفلتة الوقوف على العوامل التي يمكن أن يوعز لها هذا الأمر، فالأسرة بما تمثله من سور حصانة فكرية وتربوية ترعى الأبناء وتتابع شئونهم وتربيتهم على الأخلاق الحميدة لم تعد كما كانت من قبل، فانشغالات الحياة وظروفها المعيشية والتغيرات الاجتماعية والمكث الطويل على تصفح وسائل التواصل الاجتماعية، أدى إلى تعرض الأبناء إلى مواجهة مكشوفة وغير متكافئة مع عوامل الانحراف والانفلات الأخلاقي، خصوصا ونحن على عتبة عصر مواقع التواصل المؤثرة على تفكير وسلوك الفرد، فتلك المواد والمقاطع الهابطة والخادشة للحياء تجتاج عالم الشباب، كما أن القيم التربوية تزاح من مشهد بناء الشخصيات لتحل محلها النفعية والأنانية والتماهي مع الواقع بحسب ما يراه يصب في مصلحته فقط مع كسر سور القيم؛ لتصور قيم الصدق والاحترام والأمانة وغيرها كأقنعة يتلظى خلفها الناس ويخبئون خفايا أنفسهم!!

المفهوم القرآني لحالة التفلت الأخلاقي والاستباحة الشهوانية هو ما نسميه بالعصر الجاهلي الظلامي، والذي جاء النبي الأكرم ﷺ بتصحيح هذا الواقع السيء والضلال المبين من خلال دعوته القائمة على دعائم مكارم الأخلاق وضبط النفس في مشتهياتها ومشاعرها وانفعالاتها؛ لئلا يسود منطق الغاب وتغيب الكرامة الإنسانية الظاهرة في أحد جوانبها بإعلاء قيمة العقل والفكر الراجح والنظر في عواقب الأمور، وأمام الفرد طريقان في تسيير حياته ووضع زمام أموره تحت سلطتها وتوجيهها، وهما: العقل أو الشهوات والأهواء المتفلتة، وما يحفظ للفرد والمجتمع حقوقه وعزته وألقه بالنظر القرآني يتمثل بالاستقامة واحترام النفس والآخرين، وحينها سينعم الإنسان بأسباب قوته وإرادته وكماله المتجه نحو معالي الأمور والاتزان الفكري والسلوكي، كل ذلك مرهون بابتعاده عن طريق الشهوات المتفلتة والتي تودي به إلى المهالك والسقوط، فالشهوات أهم أسباب ابتعاد المرء عن ربه وطلب رضاه والالتزام بأحكام دينه وتوجيهات كتابه المنزل، والذي ضرب لنا أمثلة كثيرة من الأمم السابقة التي جرت خلف النزوات فأنالتها العقوبة الإلهية، بل وسادت بعض المجتمعات حالات طغيان الغريزة الجنسية حتى أرسلتهم نحو أقصى الانفلات المتمثل بالمثلية كما جرى في قوم النبي لوط ، وما تعاني منه المجتمعات اليوم من حالات التحرش هو نتيجة لسقوط سور القيم الأخلاقية، فهبط البعض نحو حياة الأنعام فما عاد يبالي بالاستحياء من تجاوز القيم الدينية والاجتماعية فيمارس الرذيلة، ولا يمكن تحصين الفرد والمجتمع من مستنقع الشهوات والانفلات إلا برسم معالم الفضيلة والاستقامة في الثقافة المجتمعية.