آخر تحديث: 24 / 10 / 2021م - 9:24 م

الغدير يوم الأخوة الصادقة

ورد عن الإمام الرضا : فمن تبسّم في وجه أخيه يوم الغدير، نظر الله إليه يوم القيامة بالرحمة، وقضى له ألف حاجة، وبنى له في الجنّة قصراً من درّة بيضاء، ونضّر وجهه» «زاد المعاد ج 1 ص 203».

هذه الرواية الشريفة تدعونا لإعادة قراءة واقعة الغدير وفق الدلالات والمضامين المتعددة التي يحملها، دون الاقتصار على القراءة التاريخية والعقائدية للحادثة وتحجيمها بالإشادة والاحتفال بها، فمن تلك الأبعاد التي تحملها واقعة الغدير الجانب الأخلاقي والاجتماعي الذي يحمل معاني طيبة النفس وصدق المشاعر والذي ينعكس إيجابا وحسنا في التعامل مع الآخرين، إذ يعنون الإمام الرضا في حكمته المأثورة هذا اليوم بيوم التبسم في وجوه المؤمنين، وبالتأكيد فهذه البسمة والطلة الجميلة لا تكتسي بالجمود والتبلد والانقطاع عن الوجدان، بل هي ترجمان لما يحمله المرء من مشاعر صادقة تنبيء عن عقد المؤاخاة والمحبة مع إخوانه في إطار المشترك العقائدي الجامع لهم في دائرة الولاية، فتجمعهم تلك الفرحة العارمة بالالتزام بما أوصى به الرسول الأكرم ﷺ والسير من بعده على النهج القويم، ويأنس المؤمن بأنفاس طيب المعشر من يأتلف وينسجم معهم في الفكر والسلوك المحبب.

ويدعو الإمام الرضا في هذا اليوم إلى مبدأ التبسم في وجوه الآخرين، كعنوان لصفاء القلب من المشاعر السلبية تجاه الغير وخلوه من الضغائن والكراهية، هذه الابتسامة دعوة إلى سيادة السلام والتسامح والاحترام وتقدير الآخرين، هذه الابتسامة تحمل معاني الأمان والطمأنينة الاجتماعية والارتياح لتلك اللحمة والتكاتف بين المؤمنين، هذه الابتسامة تعني تغليب العقل في كل موقف خلاف أو سوء فهم يطرأ على مشهد العلاقات الاجتماعية، هذه الابتسامة تعني تذويبا لكل الخلافات والخصومات والقطيعة التي تعصف بالأسر والجيران وأبناء المجتمع لأبسط الأسباب، هذه الابتسامة الغديرية دعوة لإعلاء شأن العلاقات الأخوية وإيلائها الاهتمام والرعاية، فهذه الابتسامة ليست برسم جليدي على محيا الوجه مع خلوها من الحب الصادق، وليست بتلك الابتسامة الصفراء الباهتة التي يتلظى خلفها المتلون والمخادع، بل هي ابتسامة ولائية تجتمع فيها معاني الحب والتواضع وحفظ حقوق الآخرين، وهنا يتبين لنا المسئولية التي يدعو الإمام الرضا لتحملها في هذا اليوم كبداية جديدة لعلاقات تحمل آيات الصفاء والسمو الروحي والأخلاقي والأخوة الحقيقية.

ويدعم الإمام هذه الدعوة واللفتة الأخلاقية الاجتماعية في هذا اليوم العظيم بتبيان آثارها الأخروية، فهذا المتبسم الصادق في مشاعره ينظر إليه سبحانه بنظرة الرحمة والشفقة بالأمان من أهوال يوم الحساب وغفران ذنوبه ونيل نعيم الجنان، فتقضى له حوائجه ومطالبه في ذلك اليوم، ويوسم وجهه بالنضارة والبياض في دلالة على كونه من المفلحين الفائزين.

من خلال هذه الدعوة الرضوية لفهم أبعاد ودلالات يوم الغدير لابد لنا من إعادة قراءة وفهم مضامينه العقائدية والأخلاقية والاجتماعية، فلا يكون اهتمامنا منصبا على إقامة الاحتفال وبث البهجة بذلك اليوم فقط، فالتبسم والمصافحة في ذلك اليوم لا تعني حركة مادية تفتقر للمشاعر القلبية الصادقة، بل يعني الدعوة إلى الإشادة بمظلة التكاتف الاجتماعي والتي تتأسس على احترام وجود الآخرين والتعامل معهم وفق المعايير الأخلاقية الحسنة، ومن ثم تتشكل وشائج التعاون والثقة المتبادلة وتفقد أحوال الآخرين ومد يد العون والمساعدة للأطراف المحتاجة، فعيد الغدير فرصة سانحة لتصويب العلاقات الاجتماعية نحو الإيجابية والإثمار والعطاء، فحق الولاية عليك من الناحية الاجتماعية التنكر للأنانية والتعالي والتخلي عن شح النفس والتوجه نحو العطاء المعنوي والمادي، وعيد الغدير في نظر الإمام الرضا بداية تصحيحية للعلاقات بين أفراد المجتمع يعمرها صفاء القلب والوجه السمح والثغر الباسم؛ لنلحظ بعدها تجنب كل ما يوجب النفرة والخصومات والمسارعة لحل النزاعات.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
أم ناصر
[ سيهات ]: 30 / 7 / 2021م - 11:51 ص
احسنتم فضيلة الشيخ
اجدتم التوضيح والبيان ورائع ماسطرتم من افكار وفقكم الله وسدد خطاكم