آخر تحديث: 10 / 5 / 2021م - 10:39 ص

أحبوا أنفسكم بصدق «1»

بدر شبيب الشبيب *

في كتابه «فلسفتنا» يتحدث المفكر الإسلامي الكبير الشهيد السيد محمد باقر الصدر عن غريزة حب الذات، فيقول: «وحب الذات هو الغريزة التي لا نعرف غريزة أعم منها وأقدم، فكل الغرائز فروع هذه الغريزة وشعبها، بما فيها غريزة المعيشة. فإن حب الإنسان ذاته - الذي يعني حبه للذة والسعادة لنفسه، وبغضه للألم والشقاء لذاته - هو الذي يدفع الإنسان إلى كسب معيشته».

إن حالات الانتحار أو الإيثار مردها إلى هذه الغريزة أيضا كما يرى سماحته. فالمنتحر يشعر - وإن خطأ - أن آلام الموت أسهل عليه من الآلام التي يكابدها حيا، فيقوم بإنهاء حياته؛ و"الألوان الرائعة من الإيثار، التي نشاهدها في الإنسان ونسمع بها عن تاريخه تخضع في الحقيقة أيضا لتلك القوة المحركة الرئيسية: «غريزة حب الذات». فالإنسان قد يؤثر ولده أو صديقه على نفسه، وقد يضحي في سبيل بعض المثل والقيم... ولكنه لن يقدم على شيء من هذه البطولات ما لم يحس فيها بلذة خاصة ومنفعة تفوق الخسارة التي تنجم عن إيثاره لولده وصديقه، أو تضحيته في سبيل مثل من المثل التي يؤمن بها.

وهكذا يمكننا أن نفسر سلوك الإنسان بصورة عامة، في مجالات الأنانية والإيثار على حد سواء. ففي الإنسان استعدادات كثيرة للالتذاذ بأشياء متنوعة، مادية كالالتذاذ بالطعام والشراب وألوان المتعة الجنسية وما إليها من اللذائذ المادية؛ أو معنوية كالالتذاذ الخلقي والعاطفي، بقيم خلقية أو أليف روحي أو عقيدة معينة، حين يجد الإنسان أن تلك القيم أو ذلك الأليف أو هذه العقيدة جزء من كيانه الخاص".

وهنا نتساءل: إذا كانت غريزة حب الذات بهذه القوة، فهل يحتاج الإنسان أن نوصيه بحب نفسه؟ أليست هذه توصية في غير محلها، لأنها تحصيل حاصل كما يقولون؟!

الجواب: ليس الأمر بهذه البساطة كما قد يتصور البعض. فالمسألة كل المسألة تكمن في اختلاف نظرة الناس إلى مفهوم اللذة والمنفعة عندهم. فالذي ينظر للحياة نظرة مادية ضيقة، ويقصر نظره على الحياة الدنيا فقط، فإنه لن يرى سوى المُتَع واللذائذ المادية؛ وسيسعى بالتالي لتحصيل أكبر قدر منها خلال عمره المحدود. أما الآخر الذي لديه مفهوم أوسع يتجاوز الحياة الدنيا إلى الآخرة، ويدرك أن الامتناع عن بعض الملذات هو طريق للحصول على ملذات أرقى، فإنه سيكون أكثر قدرة على التضحية والإيثار في سبيل اللذة الموعودة.

يقول السيد الصدر: فان الفهم المادي للحياة يجعل الإنسان بطبيعته لا ينظر إلا إلى ميدانه الحاضر وحياته المحدودة، على عكس التفسير الواقعي للحياة الذي يقدمه الإسلام، فإنه يوسع من ميدان الإنسان، ويفرض عليه نظرة أعمق إلى مصالحه ومنافعه، ويجعل من الخسارة العاجلة ربحا حقيقيا في هذه النظرة العميقة، ومن الأرباح العاجلة خسارة حقيقية في نهاية المطاف:

﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها.

﴿وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى‏ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ.

﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ. فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ.

﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ.

أقول: إذا فهمنا هذا استطعنا أن نستوعب معنى الدعوة لأن يحب الإنسان ذاته بصدق، فإن ذلك لن يتحقق إلا من خلال تغيير نظرته لمفهوم اللذة والمنفعة ليصبح رضا الله تعالى هو المقياس الحقيقي للذة الحقيقية. ومن غير هذا فإن الإنسان قد يكتشف في الأخير أنه عاش مخادعا لنفسه، ناسيا لها، وهو يظن أنه يحسن بها صنعا. وهو ما حذر منه القرآن الكريم في مثل قوله تعالى:

﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ.

للحديث بقية.

دمتم بحب.. جمعة مباركة.. أحبكم جميعا.