آخر تحديث: 30 / 11 / 2021م - 3:53 م

اليقين عدو التطور

عصام المرهون

أُسند ظهري متأملاً مُنحنى الثقة بمعتقداتي حسب مراحلي العُمريّة وأستطيع أن اراهُ واضحاً مثل المنحنى الإعتدالي أو ما يسميه الأقتصاديون بمُنحنى الجرس، حيث يبدأ في الارتفاع إلى أن يصل نقطة الذروة ثم يبدأ بالنزول تدريجياً ويواصل النزول إلى أن يستمر بالامتداد بشكل شبه مسطح.

عندما كُنتُ صغيراً كنتُ أحسبُ أبي قادراً على كل شيء، وكنت أضن أنه لو كان لي حصاناً لاستطعت الوصول لأي نقطة على كوكب الأرض بلمح البصر، وكنت أعتقد بأن طائر القبرة ذو العُرف ”القوبعة“ ذو شكل قبيح لكثرة ما كنت أسمع خالي يقول «يا وجه القوبعة»، كما وكان يتملكني خوفٌ شديد حين مروري بالحفرة الغائرة في الأرض تحت مسجد الشيخ جابر معتقداً بأن الدخول فيها يأخذك في رحلة العودة بالزمن إلى عهد الدينصورات، وكذلك كُنت مؤمناً بأن الضوء الذي يومض بالطائرة هوَ للتصوير كما أخبرني صديقي علي.. كُنتُ مخطئاً باكثر من هذا بكثير، وحين كُنت في سن الثانية عشر ومن ثم في السابعة عشر كان لي ايضاً الكثير من القيم والأفكار الخاطئة التي تتناسب وهذه الفئة العُمرية، أمام ما بين سن ال25 وال35 وهِيَ حين يصل المنحنى للقمة كُنت متيقناً يقيناً لا يشوبه شك بأن عندي الصواب المطلق بكل ما اعتنق من أفكار وقيم وقناعات وكل رأي مُخالف لي فهو بالتأكيد على خطأ، وكنت لا أنفك أقاتل عن رأيي بكل شراسة وهمجيه ولا أقبل التخطئة البته مِن كائِنٍ مَن كان.

سرعان ما تبدأ البصيرة بتوسيع دائرة أفقها ويأخذ المنحنى طريقه في الانحدار كلما ابتدأت أزداد نضجاً وتتجلى أمامي باقي أجزاء الصورة لكل ما كنت أعتقده واعتنقه من أفكار وقيم خاطئة منذ نشأتي ولغاية اليوم كلما أكتشفت ضحالة نظرتي للأمور، الأمر الذي يدعوني إلى التقليل من شأني لمستوى الحقارة أحياناً والتقليل من الثقة الزائدة بعقلي وخلع عباءة الزهوُ والغرورأحياناً أخرى، حيث إذا كان الأمر كذلك طيلة تلكم السنين فهذا يعني حتمية أن اكون على خطأ عن ما أنا عليه اليوم أيضاً - الخطأ الذي سوف اكتشفه خلال السنوات القادمة - والنتيجة ماذا؟

النتيجة أنني كُنت مخطئاً في كل خطوة من خطوات طريقي، كُنتُ مخطئاً في كل شيء - وأنت كذلك!، ولا وجود للصواب المطلق فنحن في تلك المراحل ننتقل من مستوى خطأ لمستوى خطئٍ أقلُ منه بقليل، وبعد فترة ننتقل لحقيقة أفضل بشيء طفيف، ومن ثم نسعى لإجراء بعض التحسينات الأخرى الصغيرة... وهكذا دواليك.

كان علماء الخرائط يعتقدون قديماً بأن رأس الرجاء الصالح بجنوب أفريقيا هيَ أبعد نقطة على الأرض «الأرض المسحة طبعاً» وكان الأطباء يعتقدون بأن إحداث شق بأحد الأوردة وإخراج الدم بالاستعانة بدودة العلق يشفي أمراضاً بأعضاء أُخرى بالجسم، وكان العلماء يعتقدون بأن النار مصنوعةٌ من شيء يُطلقون عليه مصدر اللهب، وأن المشي تحت الدرج يجلب الحظ السيء، كما وكانت النساء تستعمل بول البعير للعناية بجمال شعورهن.

نتلقى نحن العوام كل يوم نصائح من العلماء والأطباء المبنية على دراسات، والتي سرعان ما يتطور العلم ليثبت عكسها وعدم صحتها كدولاب مستمر الدوران دون توقف - تماماً كما يقول الشاعر بدر الدريع:

ممّا أضرَّ بهذا الخلقِ أنَّهمُ... قد ألَّهوا العقلَ بَيْنا هُم عبيدُ جِدا

‫فضاعَ ما بينَ إفراطِ السُّراةِ به... وبين تَفريطِهم عُمْرُ العَوامِ سُدى

‫لا يَعصِمُ العقلَ تقديسُ العُقولِ له... حقائقُ اليوم تَنفيها العلومُ غَدا‬‬

فكرة العيش بالعصور قبل 500 عام تعتبر فكرة مخيفة بالنسبة لنا في ظل تلك الممارسات والقيم والعادات الخاطئة التي تتناسب وما وصلنا له من تطور اليوم، وحتماً سوف يأتي بشرٌ بعدنا ب 500 عام يسخرون مما نحن عليه اليوم، ينظرون شزراً للأسباب التي قامت عليها الحروب الطاحنة المدمره، ويسخرون من لهثنا المستمر خلف الماديات والطريقة التي نُحاكي فيها بعضنا البعض، ويتعجبون كيف كنا نقدس ونرفع من شأن أُناسٍ سطحيين للغاية ونتجاهل من لهُم منزلةً رفيعة في القّدر، ويتهكمون على أسلوب عيشنا ومنامنا وأكلنا وشربنا.

يقول لاعب كرة السلة مايكل جوردن ”أنني أُخطئ دائماً في كل شيء، مرةً.. بعد مرةٍ.. بعد مرة.. وهذا سبب تطور حياتي ونموها“ - أعي تماماً بأن هوس البحث الدؤوب عن الحقيقة ربما يكون غير صحياً في بعض الأحيان، ولكن اليقين عدو التطور في أغلبها، لأننا في كثير من الظروف نخاف الإقدام على خطوات التغيير بحياتنا لأننا نخاف مواجهة معتقداتنا، ونُفضل التقوقع مع يقيننا المؤلم.. يخاف الموظف طلب تغيير وظيفته أو طلب زيادة في الأجر لأنه يعتقد بأنه ليس كُفئ لذلك.. وتكف الفتاة عن محاولة لفت الأنظار لأعتقادها بأنها غير مرغوب فيها إذا ما قارنت نفسها مع بنات جلدتها أو أنها ترى نفسها لا تصلح للزواج، كما وترى الشاب/ه اليوم لا يفقه رسم خطوط اهدافه المستقبلية ولا يعرف هوَ نفسه ماذا يريد - لأن معتقداته مُزعزة من كثرة القصص والمعلومات التي يمر بها كل يوم بوسائل التواصل الاجتماعي.

ربما أكون مخطئاً لكننا نحتاج من أجل أن نطور من أنفسنا أن لا نؤجر عقولنا للآخرين في المقام الأول، وأن نضل في حالة شك دائم في معتقداتنا وأحاسيسنا وما يحمله المستقبل لنا، وبصدرٍ رحب نحتاج لتقبل وجود النقص والخلل في قيمنا وافكارنا، نحتاج بين وقتٍ وآخر وقفة صادقة من أنفسنا وقناعاتنا، ونحتاج أن نقلل من مستوى الثقة المفرطة بأنفسنا ونعيد النظر بكل ما نؤمن به ونعتنقه من مبادئ وعادات وتقاليد.. نحتاج لساعات صفاء أطول نسافر فيها تأمُلاً طويلاً ونعيد النظر فيما قمنا بإعادة النظر فيها، مستعينين وسائلين مُلحين على خالقنا أن يهدينا سُبل الحقيقة والرشاد.