آخر تحديث: 24 / 10 / 2021م - 9:24 م

ثغرة في جدارية الهم والألم

في لفتة جميلة وتوجيه تأكيدي على إقامة العلاقات بين الأفراد على أساس التكاتف والتعاون، والذي يتضمن استشعار أحوال وهموم ومشاكل الآخر وما يعانيه من صعوبات حياتية، علينا الالتفات لأمر مهم يعد شريانا مغذيا للعلاقات الاجتماعية بالتفاعل والمشاركة والإنتاجية، فالمعاناة النفسية تمتص طاقة الفرد وتكبل يديه عن النشاط والحيوية وتمنعه من التخطيط لأهدافه الحياتية المستقبلية وتعرقل خطاه عن العمل الحثيث، وتؤجج مشاعره الانفعالية بالسلبية وتحيط نظره للأمور بسوداوية وإحباط، وبالطبع فإن أي محطة من محطات حياة الإنسان التي تكتنفها ظروف صعبة تصحبها كذلك هموم وتكدر وضبابية في النظرة للأمور المستقبلية، وهذا ما يحتم وجود رافعة للشخص المهموم تزيح عن كاهله معاناته وتساعده على استعادة توازنه النفسي والانفعالي، وهنا تكمن أهمية ما أشرنا له من وجود شخص متخلص من أغلال الأنانية والنفعية ينبري لتقديم المساعدة والتفاعل مع المعاناة، ممن يحمل حسا مرهفا يشارك من خلاله مشاكل الآخرين ويعمل على تخفيف وطأة الزمن الثقيلة عليهم، فيفسح المجال للمهموم المتراكمة عليه المشاكل أن يتحدث ويفضفض عما يدور بداخله، فيأخذ معه دور المستمع الجيد الذي يلقي أهمية لما يتحدث به وينصت له بكل اهتمام وتدقيق فيما يقوله، فذلك له دور نفسي كبير في إزاحة ثقل عن صدر المكروب وتخلصه من التشاؤم، ويمتص منه هول المفاجأة والصدمة من الواقع الصعب الذي يجد فيه بحرا لا ساحل له، فيجد فيمن يستمع له قارب نجاة يحمل مشاعر صادقة ويقدم له ورقة خلاص من همومه وخارطة طريق تنتشله مما وقع فيه من أزمة، وهذه المشاركة الوجدانية تمثل الخطوة الأولى في السير نحو الفرج، وما إن يستعيد هدوءه النفسي واتزانه الفكري يمكنه لملمة أوراقه ووضع مجموعة من المسارات للبحث عن حلول ومعالجات، وما أجمل أن يشاركه ويضم عقله لعقله ليرسما نهاية سعيدة لهمومه، فالخبرات الحياتية التي يحملها صاحب الحس الاجتماعي تساعده في تقديم استشارات واقتراحات لرفع حالة التوتر والقلق عن المهموم، وهذا ما يوصلنا لنقطة اجتماعية إيجابية تتمثل بشعور كل واحد بهموم ومشاكل وآلام من حوله ويهرع مسرعا للتخفيف عن صاحبها، وهذا التشارك الوجداني لا يمثل الحل الحقيقي والعصا السحرية لحل المشاكل، وإنما هو فتح ثغرة في جدارية الهموم السميكة؛ ليتمكن المهموم من تجاوز الصعوبة النفسية ويبدأ في تغيير واقعه السيء باتجاه الحلحلة.

وهذه الحساسية الاجتماعية بهموم الناس تحتاج بلا شك إلى تربية وتعليم على مساندة الغير منذ الصغر يتلقاها الفرد في محيطه الأسري والبيئي، فمتى ما شاهد الطفل أمامه حالات متعددة من التعاطف مع أي طرف ضعيف شكل ذلك بداية اكتساب هذا السلوك ومحبة ممارسته، وخصوصا إذا ما تلقى الاهتمام والتشجيع من والديه، فالطفل الذي اعتاد على الدلال الزائد والتوصية بالاهتمام بنفسه فقط وأن يدير ظهره لغيره مهما أصابه، سينتج كل ذلك طفلا وفي الغد شابا يركز على اهتماماته ومصالحه فقط وإن كان ذلك على حساب غيره.

إن ما نلحظه عند البعض من قسوة في القلب وجفاف في المشاعر وتبلدها تجاه أحوال الآخرين والاهتمام بشئونهم الخاصة فقط، يعد مرضا نفسيا ووجدانيا يشف عن قلوب انعدمت منها الرحمة والشفقة والإحساس بمن حوله في معاناتهم وهمومهم ومشاكلهم، فتجف أغوار تلك القلوب من معين العطاء والمشاركة والعمل على تخفيف معاناة الغير.