آخر تحديث: 5 / 12 / 2021م - 1:11 م

الإصلاحية الإسلامية

محمد الحرز * صحيفة اليوم

في كتابه «من الإصلاحية إلى المشروع النهضوي» الصادر عام 2018م من المركز الثقافي للكتاب، يقترح المفكر عبدالإله بلقزيز أربع ملاحظات باعتبارها مدخلا لإعادة قراءة الإصلاحية الإسلامية، التي تركت إرثا معرفيا كبيرا طال فروعا عديدة منها: الأدب وأصول الدين والاجتماع والتراث السياسي والتربية والدولة، من خلال ما كان يسمى بعصر النهضة في القرن التاسع عشر.

أولى هذه الملاحظات تذهب إلى الأخذ بعين الاعتبار الظروف، التي لازمتهم أثناء اجتهاداتهم المعرفية، فقد كانوا واقعين تحت ضغط التفوق الأوروبي، الذي أخذ يزحف على العالم العربي إما احتلالا واستعمارا أو تأثيرا وتحكما وسيطرة، فالخطر الذي استشعروه عن قرب، كان لا يتيح لهم الحرية الكاملة في الاجتهاد كما هو المعتاد في الظروف الطبيعية، التي تدفع الباحث للاجتهاد انطلاقا من حافز المعرفة في المقام الأول. هؤلاء لم تتح لهم الفرصة كما يشير بلقزيز، لذلك كما يؤكد أن تجديد قراءة إرثهم ينبغي علينا أن نأخذ هذا الظرف بعين الاعتبار.

ثاني الملاحظات هي محدودية حرية التعبير فيما يتعلق بإصلاحات مشروع تحديث الدولة، ففكرة الإصلاح في هذا المشروع كانت الغاية والهدف منها عند السلطة «مصر والعثمانيين» هو تقوية السلطة من خلال تحديث أجهزتها وجيشها فقط، بينما فكرة الإصلاح عند المصلحين من العلماء هو تحديث المجتمع في جوانبه المتعددة والحد من تغول الحاكم بسلطته، رغم التباين في قرب أو بعد هؤلاء عن سلطة الدولة «فحالة الطهطاوي والتونسي ليست هي ذاتها حالة الأفغاني والكواكبي والنائيني»، فقد كان الأول والثاني هما جزء من نظام الدولة ومشروعها في فترة طغيان التنظيمات والإصلاحات، بينما الآخران لم يكونا كذلك، فقد كانا مطاردين. وعليه يرى المؤلف أن هذا التباين حد من قدرة فكرة الإصلاح أن تأخذ مداها في الاجتهاد والتوسع فيها بحرية مطلقة.

أما ثالث الملاحظات فتتصل بالمجابهة الشرسة والمقاومة القوية ضد هؤلاء الإصلاحيين، التي كان يقودها رجال الدين التقليديون، ورجال الفكر المحافظون، الذين يملكون اليد الطولى والسلطة المؤثرة على المجتمع والمؤسسة الدينية كالأزهر والزيتونة. وكما يشير صاحب الكتاب إلى أن هذه المقاومة كان حافزها الكبير ليس الخوف من تجديد الفهم حول بعض القيم الموروثة بقدر ما هو الخوف من فقدان المكانة الاجتماعية والشرعية ومكتسباتها.

وأما رابع الملاحظات، فهو يتصل بالمرجعيات النظرية والفكرية التي غذت اجتهاداتهم، فالفكر الليبرالي الأوروبي في تحولاته التاريخية لم يتعرف عليه الإصلاحيون إلا من خلال نموذج الدولة الحديثة القائمة أمام أعينهم، ولم يقتبسوا منه إلا «شذرات فكرية» من هنا وهناك، ولم يأخذوه «كمنظومة متكاملة». لذلك المفكر عبدالإله يلتمس لهم العذر كونهم كانوا ينظرون إلى أنفسهم أنهم في مهمة إنقاذية هدفها تجسير الفجوة بين تخلفنا كعرب وتقدمهم كغربيين. وفي مثل هذه الحالات يفقد الباحث أو المصلح الترف الفكري المريح، الذي يجعل خطابه في غالب الأحيان متماسكا ومعمقا.

إن ما يجعل هذا المدخل مهما بملاحظاته الأربع من وجهة نظر المؤلف هو ضمانة أن تكون قراءتنا للخطاب الإصلاحي أكثر موضوعية، وأكثر حصانة في النظرة إلى التاريخ، وبعيدا عن النظرة التبخيسية المختزلة.

والأهم هو إعادة الاعتبار لهؤلاء المصلحين من تلك الفترة، الذين لم يسلموا من هجوم خطاب التيارات الإسلامية المعاصرة حين شنعوا عليهم، واتهموهم بالتحريف والإساءة للإسلام.

ناهيك عن الحاجة الملحة في الوقت الراهن للعودة للخطاب ذاته، فهو ما زال حاضرا بأسئلته التي لم تستكمل، فهذه الإصلاحية كما يقول الباحث أنتجت «الريادة في التأسيس، والعقلانية في التفكير، والجرأة في التعبير، والمعاصرة المتجددة».