آخر تحديث: 24 / 10 / 2021م - 9:24 م

شذر من الكرم الإلهي

ورد عن الإمام الباقر : «يكتب للمؤمن من العمل الصالح في مرضه ما يكتب له في صحته» «المحاسن ص 260».

يشير الإمام الباقر إلى تحفة إلهية سنية تدل على شدة محبته سبحانه لعباده المؤمنين، ممن دأبهم طاعته وتحري رضاه في كلامهم وسلوكهم ويتحرزون عن مواطن سخطه عز وجل، والدين يغتنمون أوقات صحتهم وقوتهم البدنية متؤازرة مع هممهم العالية؛ لينطلقوا في ميادين العمل الصالح وصنع المعروف بكل صنوفها وامتداداتها المعرفية والثقافية والعبادية والاجتماعية، فالمؤمن في كل حركاته وسكناته ومواقفه ينظر بعين الله تعالى وأنها مورد يقربه منه سبحانه، فتلك الأعمال الصالحة التي كان يؤديها وها هو بسبب مرضه وضعفه قد توقف عن إتيانها، وملؤه الحسرة والشوق للرجوع إلى فعلها لولا ما أقعده عنها، فإن العناية والكرم الإلهي يحضر إليه ليكتب له في مرضه كل عمل كان يأتي به أيام صحته وينال ثوابه دونما نقصان، فأي كرم هذا يهبه المولى لعبده ليحفزه على النشاط والهمة واغتنام الفرص والأوقات أيام قوته، فمن تحركت نفسه وقواه نحو المناجاة وقراءة الأدعية وأداء الصلوات المستحبة وصلة الأرحام وصنع المعروف وقول الكلمة الحسنة، فجاءه ما يمنعه من ذلك وضرب لذلك الإمام مثلا وهو المرض الذي يمنعه عن الحركة، فستبلسم آلامه العناية الإلهية بعباده المطيعين في أوقات ضعفهم، فيكتب لهم من الأجر تماما كما كانوا يؤدونها وقت عافيتهم وقوتهم.

إنها إشارة إلى إحدى خصائص الكرم الإلهي الذي يمتاز بمراتب عن كرم العباد، ولذا لا ينبغي المقايسة والمناظرة بين الثواب الإلهي غير المحدود وبين النطاق المحدد للبذل البشري مهما بلغت درجة ذلك الإنسان السخي، فالكرم الإلهي غير محدود ولا يمكن تقديره إذ يقول سبحانه: ﴿و الله يضاعف لمن يشاء، وهنا إشارة إلى جانب مشرق آخر من الكرم الإلهي وهو اللطف الخاص بعباده المؤمنين في حالات ضعفهم ووجود المانع عن إتيانهم العمل الصالح، فيتجلى الكرم الإلهي باحتساب الأجر والثواب لكل عمل صالح كان يأتيه المؤمن في وقت صحته واقتداره، في مشهد يميز الكرم الإلهي ليقف عليه العباد بما يحفزهم ويقوي إرادتهم على اغتنام أوقات قوتهم وشبابهم وصحتهم ليتزودوا منها ما يدخلهم في زمرة الفائزين بالكرم الإلهي في حالات مرضهم ووجود المانع لهم من صنع الخيرات.

ونجد تجليات الكرم الإلهي في مورد آخر وهو العناية الخاصة بنية المؤمن لفعل الخير وبروز مانع له كالنسيان أو فقدان القدرة على فعله، فإنه سبحانه يجازيه بكرمه بإعطائه ثوابه وإن لم يفعله «نية المؤمن خير من عمله»، وفي ذلك يبرز لنا عنوان في حياة المؤمن وهو التفاعل والانجذاب لفعل المعروف والسعي له والتمهيد لمقدماته بحسب إمكانياته وقدراته، فالمؤمن يتطلع بنحو مستمر للتقدم والتطور والاستزادة من الصالحات دون وضع حد لذلك، ففي صدقته وصلاته ومساعدة من حوله وغيرها من العبادات يرغب بشدة للمشاركة والتلبس بأي عمل منها ولو بالقليل، وكلما تعرف على باب من أبواب العبادات وأفعال الخير تحركت نفسه وهمته نحو إتيانها، فالمؤمن صاحب همة ونشاط يغتنم أوقاته ويحرك قدراته نحو التنمية والازدهار والتقدم، في خط سير يمتاز يومه بالأفضلية عن ماضيه وأمسه، ويخطط ليومه القادم بالمزيد من الإنجازات على مستوى الأصعدة المختلفة في حياته.

كما أن هذه الومضة الباقرية تحمل توجيها ضمنيا باغتنام أوقات الصحة والعافية وملئها وغمرها بالأعمال الصالحة وتوطين النفس وتمرينها عليها حتى يفوز هذا المؤمن بهذه الجائزة الإلهية السنية، وذلك أن الذي يحيا حالة التضييع في أوقاته ويمتلك همة ضعيفة لا تقوى على فعل الخيرات في أيام قوته، فسيكون في حالة المرض والضعف مفلسا تماما من كل معروف.