آخر تحديث: 27 / 9 / 2021م - 12:58 ص

قطّة أختي

ليلى الزاهر *

لم أبالغ إذا وصفتُ عينيها بصفاء السماء الزرقاء وجسدها ببياض الثلج إنها قطة أختي ريما

لم يجرؤ أحدٌ على إزعاجها وهي تغطُّ في نوم عميق فوق مخدعها الوثير، لقد أعدته ريما لها بعناية كي تُشعرها بأنها فرد من أفراد الأسرة.

وقد كان لها نصيب الأسد من اسمها فقد رفضت ريما أن تناديها ببعض الأسماء الدارجة مثل لوسي أو بوسي وإنما اختارت أن تطلق عليها اسم مميز، فاختارت لها اسم نجمة!

نجمة هي قطة زاهية وتشعّ سناءً يفوق أضواء النجوم فتضيء نجمتنا البيضاء عند إدبار جميع النجوم، هذا وصف ريما لقطتها، وفي جعبتها سيل كبير من كلمات الغزل يخصّ نجمة ويتغنى بجمالها.

ولا أخفي عليكم أن أجمل التقاطاتي للصور هي صورُ نجمة.

وبما أنني احترفت التصوير منذ زمن بعيد فقد طلبت مني ريما أن أقوم بتصوير قطتها لتشارك بصورها في إحدى مسابقات التصوير الفوتوغرافي التي نظمتها مدرستها إذ حصدت الصورة المركز الأول.

أحبت ريما قطتها كثيرا وغالبا ماكانت تدفنها في أحضانها مما كان يُثير حفيظة والدتي خاصةً وأن أمي تعمل طبيبة وتنتابها بعض حالات الهوس والهلع بشأن نظافة المنزل وصحتنا العامة.

وعندما كانت تراها تتنقل بقطتها أينما ذهبت تطلق صيحاتها التحذيرية موبخة وزاجرة ريما قائلة:

بُنيتي عليك طرحها أرضا وكفي عن ارتدائها كمعطفٍ ربما سببت لك ضررا يوما ما.

ابتعدي عنها قليلا ولا تجعليها ملازمة لك طوال نهارك وليلك.

إلا أن ريما لا يعجبها حديث أمي وتوجيهاتها الصحيّة إذ كانت تعتبرها مثل بقية الأطباء وتبتعد عن توجيهاتها لتعاود سيرتها في حمل قطتها ومداعبتها مرارا وتكرارا وترد على أمي قائلة:

أمي أنا عاشقة بلاشك لهذه الكائنات اللطيفة، لاتخافي عليّ، وجودهم بجانبي يعطيني طاقة إيجابية كبيرة ويشعرني بسعادة عارمة فوق ماتتصورين.

فترد أمي بفكاهة:

بينما تعطيني قطتك طاقة مُتجددة من القلق وجهدا إضافيا يُضاف لأعبائي المنزلية.

كانت يوميات نجمة تملأ ساعاتنا بجميع مفردات السعادة وكنا ننام ونستيقظ على حركاتها البهلوانية المضحكة الجميلة إلا أن أمي زاد قلقها على ريما وأماطت اللثام عن مخاوفها لتسرني بحديثها قائلة:

بُني أحمد منذ أن دخلت نجمة المنزل وحتى الساعة وأنا في حرب مع انفعالات العقل والقلب خوفا على أختك ريما.

- ولما الخوف يا أمي؟

- كيف لي لا أخاف وأنا أعرف طرفا من سيرة القطط وتأثيرها على الأنثى خاصة

- ولمَ لاتتحدثين مع ريما وتشرحين لها مخاوفك.

- وأنّى لها أن تسمع مني! كل ما أتمناه ألا يطول مُقامها بيننا.

انتهى حديثي مع أمي بالاتفاق

على تسريح نجمة من المنزل والناس نيام

عندما يقدم الليل بجيوشه ويتكاثر ظلامه.

في البداية رفضت اقتراح أمي إلا أنني وافقت بعد ذلك احترامًا لمخاوفها على أختي ريما.

وحانت الساعة..

حين خلد الجميع للنوم وأُقْفِلت الأبواب بدت لي القطة روحًا شريرة وبدأتُ أُحيك خيوط الاتهام حولها، تذكرتُ ماصرحت به إحدى الوكالات الصينية الرسمية التي نقلت عن فئة من الشباب يقضون جلّ وقتهم مع القطط يفركون وجوههم في بطونهم ويشمون روائحهم وهؤلاء الفئة يعزفون عن الارتباط ويقضون حياتهم دون زواج مما يُفسر تكاثر أعداد العازبين في المدن الصينية الكبرى.

تذكرتُ حديث أمي عن الأمراض التي تُخلّفها تربية القطط للإناث خاصة وإسهامها في إجهاض الحوامل من النساء. فاستجمعت قوتي وأخذت نجمة من مخدعها وقد أفسدت عليها لذة نومها ودون أن يعلم الجميع فتحت الباب وأمرت نجمة بالخروج فخرجت المسكينة دون تردد مستجيبة لي كعادتها، غادرت نجمة مع إدبار النجوم

كم تمنيت ليلتها لو انشقّت الأرض وابتلعتني بدلا من تلك الهواجس التي أحاطت بي دون هوادة.

قضيت ليلتي في التفكير في ريما كيف سوف تستقبل نبأ غياب قطتها صباحًا، لابد أن الحزن سوف يُخيم على منزلنا لأن ريما هي من تنشر البهجة والسرور في أرجائه

احتدم الجدال بيني وبين نفسي فكنت أُشدد اللوم عليها عندما كانت تعاتبني وكان الضمير يدافع عني دفاعا مستميتًا وكأنّهما في جولة قضائية لا أعرف من الرابح فيهما. أحدهما يقول: ماشأنك بالقطة المسكينة سلبت منها لذة نومها، وسوف تُخفي أختك في غياهب الحزن.

والآخر يدافع فيقول: أنتَ العماد والسند لأختك وسوف تشدّ عضدها بك «وثوبك من منسوج أهلك» وأنت الأخ الأكبر الناصح الرشيد، المبصر للعواقب والمساعد في النوائب.

ليرد عليه قائلا:

ألم تعلم أن القطط تعطي الطفل طاقة إيجابية وتشعره بالرفقة؟

بل أنها تساعد في حل الكثير من المشاكل النفسية كالاكتئاب وتضفي على المنزل لمسات من الفرحوالسعادة بحركاتها وملاحقاتها للأطفال.

ألم تعلم بأن أحد أجداد هذه القطة التي طردتها قد أدخل امرأة النار عندما حبستها بلا مأكل أو مشرب؟

كنت أسير في شعب ضيقة تراكمت عليها بعض الصخور الداكنة كدت أن أتعرقل بها لولا أنني رأيت نجمة فقامت ترشدني للطريق.

نهضتُ فزعا من نومي وفتحت النافذة فإذا بالليل يعانق النهار مودعًا ومابرحت الزهور تغادر الأكمام فقمت سريعا أبحث عن نجمة وفي الجانب الآخر من منزلنا رأيت نجمة تقف بجانب بعض الزهور وهناك جمع غفير من القطط جاء يُشاكسها وهي في حيرة من أمرها، فهي قطٌّة مسالمة لاتهوى العراك والشجار بل أنها في غالب أمرها تلعب وتقفز مُحدثة أجمل مشاهد فكاهية ممكن أن تراها فتزيح همومك ومتاعبك التي حملتها على أكتافك طوال اليوم.

انتشلتُ نجمة سريعا من براثن تلك القطط العاتية وعدت بها للمنزل وقمت بوضعها في مخدعها كماكانت.

وعدتُ إلى فراشي مرة أخرى وقد ارتاح ضميري من عتاب النفس وخواطرها السيئة.

عندما قمت من فراشي رأيت ريما غارقة في اللعب مع قطتها كانت أمي بجانبها وهي تطلق ضحكات من السعادة مع ريما تخاطبني بوجه آخر وكأنها تعلم ماحدث قائلة: يجب أنّ نعدّ بيتًا صغيرًا في الحديقة لنجمة حتى تعتاد الحياة الجديدة بيننا كفرد من العائلة.