آخر تحديث: 20 / 1 / 2022م - 1:09 ص

لماذ يكذب الأطفال وهل ذلك تصرف طبيعي؟

عدنان أحمد الحاجي *

بقلم ڤان برغن وكارول نيوال
المترجم: عدنان أحمد الحاجي
المقالة رقم 297 لسنة 2021
Why do kids lie، and is it normal?
Penny Van Bergen and Carol Newall
July 4,2018

يبدأ الأطفال عادة في الكذب في مرحلة ما قبل المدرسة، ما بين سنتين وأربع سنوات من العمر [1] . هذه المحاولات النقصودة من الخداع قد تقلق الوالدين، الذين يخشون من أن يصبح طفلهم منحرفًا اجتماعيًا نوعًا ما.

ولكن من وجهة النظر التنموية، نادرًا ما يسبب الكذب عند الأطفال الصغار القلق. في الواقع، غالباً ما يكون الكذب أحد العلامات الأولى التي طور فيها الطفل الصغير ”نظرية العقل“ [2] ، وهي الوعي بما لدى الآخرين من رغبات ومشاعر ومعتقدات مختلفة عما عند النفس. عندما يدّعي طفل بشكل مضلل و”يقول بابا قال أنه بإمكاني أن أتناول آيس كريم“، فهو يستخدم وعيه بما يدور في عقول الآخرين ليثبتوا فيها وهماً.

على الرغم من أن الكذب قد لا يكون مرغوبًا اجتماعيًا، فإن القدرة على معرفة ما يفكر فيه الآخرون ويشعرون به تعتبر سلوكًا اجتماعيًا مهمًا. فإن الأمر يتعلق بالتعاطف التقمصي empathy والتعاون والاهتمام بالآخرين عندما يشعرون بالإنزعاج [3] .

كيف يتغير الكذب مع التقدم في العمر؟

الأكاذيب الأولى للأطفال الصغار غالباً ما تكون هزلية أكثر من كونها جدية [4] . تخيل طفلُا يدّعي أنه لم يأكل أي كعكة بينما فمه ما زال ممتلئًا بها، أو يتهم كلب العائلة بالرسم على الجدار. قد يعرف الأطفال الصغار أنهم قادرون على خداع الآخرين، لكن ليس لديهم حتى الآن التعقيدات اللازمة للقيام بذلك بشكل جيد.

قبل بلوغهم سن الثامنة، يعمد الأطفال في كثير من الأحيان إلى فضح أنفسهم حين يكذبون. في إحدى الدراسات [5] ، طُلب من أطفال تتراوح أعمارهم بين ثلاث إلى سبع سنوات عدم النظر إلى لعبة بارني Barney وُضعت خلف أظهرهم. تقريبًا كل الأطفال نظر اليها، وكل واحد منهم تقريبًا كذب لاحقًا عندما كبر في العمر «وهذا الكذب ازداد مع العمر».

لكن الأطفال من جميع الأعمار في المجموعة «التي خضعت للتجربة»، واجه أيضا مشكلة في الاستمرار في الكذب. الكذابون ممن تتراوح أعمارهم بين ثلاث وخمس سنوات جيدون بشكل مدهش في تمالك أنفسهم عن الضحك ولكنهم عادةً ما يفضحون أنفسهم وذلك بوصف لعبة بارني بالاسم. الأطفال الكذابون الذين تتراوح أعمارهم بين ست وسبع سنوات حققوا نجاحًا متباينًا، حيث تظاهر نصفهم بالجهل والنصف الآخر بذكربارني بالاسم بدون قصد.

عندما يكبر الأطفال وتتطور قدراتهم على تبني وجهة نظرالآخر [6] ، يصبح بإمكانهم بشكل متزايد فهم أنواع الكذب القابلة للتصديق من قبل الآخرين. كما أنهم سيصبحون افضل إستمرارًا في الكذب بمرور الزمن [4] .

التطور الأخلاقي يبدأ مفعوله في التأثير. الأطفال الأصغر سنًا أكثر احتمالًا للكذب من أجل تحقيق مكاسب شخصية، في حين يتوقع من الأطفال الأكبر سنًا أن يشعروا بنحو متزايد بالإستياء من أنفسهم لو كذبوا [7] .

كما أن الأطفال الأكبر سنًا والمراهقين يميزون بين الأنواع المختلفة للكذب. الأكاذيب البيضاء [8] ، بالنسبة لهم، تعتبر أكثر ملاءمة من الأكاذيب المضرة أو المعادية للمجتمع [9] .

على الرغم من أن الدراسات التي قيّمت تواتر الكذب في أوساط الأطفال والمراهقين نادرة، فمن المرجح أن يكذب المراهقون على الوالدين والمدرسين بخصوص الأشياء التي يعتبرونها من شؤونهم الشخصية.

وجدت إحدى الدراسات [10]  أن 82٪ من المراهقين الأمريكيين أفادوا بأنهم كذبوا على أهلهم بخصوص المال أو الكحول أو المخدرات أو الأصدقاء أو المواعدة أو الحفلات أو الجنس في العام الماضي. احتمال كذبهم فيما يخص أصدقاءهم «67 ٪» واستخدام الكحول / المخدرات «65 ٪». ربما من المدهش، كونهم أقل احتمالاً للكذب فيما يخص موضوع الجنس «32٪».

عندما يقرأون سيناريوهات قصيرة يكذب فيها البطل على والديه، فمن المرجح أن ينظر المراهقون إلى الكذب على أنه مقبول لو كان لمساعدة شخص ما أو الاحتفاظ بسر شخصي، ولكن ليس الأمر كذلك لو كان يضر أو يؤذي شخصًا ما.

هل الكذب سبب للقلق؟

على الرغم من تفشيه، نادرًا ما يسبب الكذب في أوساط الأطفال قلقًا. من المهم أن تتذكر أن العديد من البالغين «الكبار» يكذبون أيضًا - أحيانًا في السراء، كما هو الحال في الكذبات البيضاء التي تحمي مشاعر أحد الأشخاص، وأحيانًا في الضراء. على الرغم من أن التقديرات تختلف، وجدت دراسة [11]  أن حوالي 40 ٪ من البالغين «الكبار» في الولايات المتحدة أفادوا بأنهم كذبوا في الساعات الأربع والعشرين الماضية [أي قبل سؤالهم حينئذ].

في بعض الحالات، يمكن أن يصبح الكذب المزمن مصدرًا للقلق لو حدث مصاحبًا لمجموعة من السلوكيات الأخرى التي تجعل المرء غير قادر على التأقلم. على سبيل المثال، غالباً ما يكون الخداع من خلال الكذب حاضراً في اضطراب السلوك واضطراب المعارض المتحدي «ODD» «12 و13».

يتسبب الشباب الذين يعانون من اضطرابات السلوك أو اضطراب المعارض المتحدي في اضطرابات كبيرة في المنزل أو في المدرسة من خلال العدوان المستمر والإضرار بالآخرين أو الممتلكات. ولكن من أجل ان يتوافق مع التشخيصات، فإن الكذب يجب أن يحدث بصحبة مجموعة من الأعراض الأخرى، مثل رفض الامتثال لشخصيات لها سلطة، والانتهاكات المستمرة للقواعد، وعدم تحمل مسؤولية تصرفاتهم.

سبب آخر لقلق الوالدين هو إذا كان الكذب يخدم في إخفاء مشاكل الصحة العقلية الأخرى بسبب الخوف أو الخجل. على سبيل المثال، الطفل أو المراهق الذي يعاني من القلق الحاد قد يكذب لتجنب مواجهة المواقف التي تجعلهم خائفين «مثلًا من المدرسة أو من الحفلات أو من الجراثيم».

قد يكذبون أيضا لتجنب ان يوصموا باضطرابات الصحة العقلية [14] . في هذه الحالات، استشارة الطبيب أو أخصائي الصحة العقلية «كالطبيب النفسي أو اخصائي الامراض النفسية» في توضيح ما إذا كان الكذب يدل على وجود مشكلة تتعلق بالصحة العقلية.

على الرغم من أن الكذب أمر طبيعي من الناحية التطورية، يمكن لأولياء الأمور والمدرسين من أن يشجعوا الأطفال على الصدق «قول الحقيقة» بثلاثة أساليب.

أولًا، تجنب العقوبات المفرطة أو المبالغ فيها. في دراسة [15]  تقارن بين مدرسة في غرب إفريقيا تستخدم عقوبات جزائية «كالضرب بالعصا والصفع والقرص» ومدرسة تستخدم توبيخًا غير عقابي «مثل عزل الطفل - المزيد من المعلومات في 16 - أو توبيخه»، الطلاب في المدرسة التي تطبق عقوبات جزائية بحقهم كانوا أكثر احتمالاً لأن يكونوا كذابين محترفين.

الأطفال من العائلات التي تتشدد في اتباع قوانين ولا تمارس اسلوب الحوار المفتوح معهم، أفادت أيضًا انهم يكذبون بأكثر وتيرةً [17] .

ثانيا، ناقش السيناريوهات الانفعالية / المشاعرية والأخلاقية مع الأطفال. هذا ”التدريب العاطفي [وهو ممارسة الاستماع إلى أحاسيس الأطفال ومساعدتهم على تعلم التعامل مع المشاعر السلبية، كالخوف والفضب والحزن وضبط النفس، بحسب ما ورد في 18]“ يدعم معرفة الأطفال بمتى يكون الكذب أكثر ضررًا، وكيف يؤثرون في الآخرين، وكيف هم أنفسهم يشعرون حين يكذبون. يعتد الأطفال بأنفسهم بشكل متزايد عندما يقولون الصدق [19] ، ويمكن للوالدين التأكيد على هذه الجوانب الإيجابية لقول الحقيقة «الصدق».

ثالثًا، أكِّد على أن الكذب هو كذب في الحقيقة. الأطفال الصغار جدًا عرضة للالتباس بين الحياة الحقيقية والخيال، على الرغم من أن الأطفال الأكبر سنا والبالغين غالبًا ما يتذكرون مناقشاتهم بشكل مختلف عن بعضهم البعض. إذا أفاد الطفل عن تعرضه لإساءة جسدية أو جنسية، يجب أن يتم التحقق دائمًا من هذه المزاعم. من خلال تمييز ما إذا كانت هناك محاولة متعمدة للخداع أم لا، يمكن للوالدين والمعلمين ان يستهدفوا اجاباتهم بفعالية.

الكذب أمر طبيعي من الناحية التطورية وعلامة مهمة على تطور المهارات المعرفية / الادراكية الأخرى.

إذا استمر الكذب وأخذ يضعف من قدرة الطفل على القيام بوظائفه بفعالية في الحياة اليومية، فينبغي استشارة طبيب الصحة العقلية أو طبيبك الخاص.

ولكن في حالات أخرى، تذكر أن الكذب هو أحد الطرق التي يستخدمها الطفل ليتعلم كيف يتعامل مع المجتمع. يجب أن تساعد المناقشات المفتوحة والدافئة على قول الصدق وهذا من شأنه في النهاية ان يقلل من كذب الأطفال مع تقدمهم في العمر.

مصادر من داخل وخارج النص

[1] https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/2612240/
[2] https://ar.m.wikipedia.org/wiki/نظرية_العقل
[3] https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/27337508/
[4] https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC3483871/
[5] https://journals.sagepub.com/doi/abs/10,1080/01650250143000373
[6] تبني وجهة نظر Perspective-taking هو تمييز موقف أو استنتاج مفهومٍ ما من وجهة نظر بديلة، مثل وجهة نظر شخص آخر. هناك عدد كبير من الدراسات العلمية التي بحثت في تبني وجهات النظر واقترحت أنه أمر مهم جدًا للتنمية البشرية، وقد يفضي إلى مجموعة من النتائج المفيدة. يرتبط تبني وجهة نظر بالنظريات والمفاهيم الأخرى، منها نظرية العقل والتقمص الوجداني Empathy. اقترحت النظريات والأبحاث منذ فترة طويلة متى يكون الأطفال قادرين على تبني وجهات النظر وكيفية تطويرهم لهذه القدرة بمرور الوقت. أشارت الأبحاث أيضًا إلى أنه قد تكون هناك صعوبة لدى من يعاني من اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط والتوحدبالقدرة على المشاركة في تبني وجهة النظر. بالإضافة إلى ذلك، أجريت دراسات لتقييم مناطق الدماغ الداخلة في تبني وجهات النظر. تشير هذه الدراسات إلى أن العديد من المناطق قد يكون لها علاقة، بما في ذلك القشرة أمام الجبهية والطَّلَل «تلفيف مخي صغير». بالإضافة إلى ذلك، تشير الدراسات إلى أن تبني وجهات النظر قد يكون ممكنًا لدى بعض الحيوانات غير الآدمية. " مقتبس من نص ورد على هذا العنوان:
https://ar.wikipedia.org/wiki/تبني_وجهة_نظر
[7] https://srcd.onlinelibrary.wiley.com/doi/abs/10,1111/1467-8624,00098
[8] https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC2581483/
[9] https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC2864928/
[10] https://link.springer.com/article/10,1023/B: JOYO.0000013422,48100.5a
[11] https://tech.msu.edu/about/guidelines-policies/afs-retirement/
[12] https://ar.m.wikipedia.org/wiki/اضطراب_التحدي_الاعتراضي
[13] https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC3826598/
[14] https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC2904965/
[15] https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/22023095/
[16] https://en.m.wikipedia.org/wiki/Time-out_ «parenting»
[17] https://link.springer.com/article/10,1023/B: JOYO.0000013422,48100.5a
[18]https://parentingscience.com/emotion-coaching/
[19] https://srcd.onlinelibrary.wiley.com/doi/abs/10,1111/j.1467-8624,1992.tb03601.x

المصدر الرئيس

https://theconversation.com/why-do-kids-lie-and-is-it-normal-98948