آخر تحديث: 28 / 11 / 2021م - 10:19 م

بعد عقد على الحركة الاحتجاجية

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

حين انطلقت الحركة الاحتجاجية في أقطار عربية عدة، مع مطلع العقد الثاني من هذا القرن، تفاءل أغلب الناس بها، فقد جاءت بعد فترة طويلة من البيات، وقمع الحريات واستفحال الأزمات الاقتصادية وانتشار البطالة، وافتقار السلطة السياسية للشرعية، وعجزها عن مقابلة استحقاقات الناس. وعندما اتجهت هذه الحركات نحو العنف مهددة وحدة البلدان العربية واستقرارها، جرى تشبيه ذلك، من قبل عدد من النخب العربية، بما جرى بعد اندلاع الثورة الفرنسية، من توترات ونزاعات وأعمال قتل وتخريب. واعتبرت مرحلة عبور لا بد منها، لخلق ظروف مواتية لفتح بوابات الأمل وصناعة المستقبل الأفضل.

لكن ما جرى بعد ذلك، طوى بسرعة مهرجان الفرح. لقد تسببت تلك الأحداث في خراب وتدمير، وخروج عدد من البلدان التي طالتها الحركة الاحتجاجية من الخريطة السياسية، ونتج عنها هجرة قرابة 25 مليون نسمة، من أوطانهم أضيفوا إلى ملايين ممن هجروا أو اضطروا إلى المغادرة إثر الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003.

وقد آلت الأمور، في معظم هذه البلدان إلى استلام قوى سياسية، عرف عنها معاداتها للدولة المدنية، ولنهوض الأمة وتقدمها. وكان وصولها للسلطة نتيجة طبيعية لغياب العمل الشعبي، وللتجريف السياسي الذي شهدته المنطقة العربية، لعدة عقود، قبل اندلاع الحركات الاحتجاجية.

إن العودة لقراءة ما جرى من أحداث، بشكل أدق بعد انقشاع الغبار، تؤكد مجدداً أن التحولات الاجتماعية الكبرى لا تنبثق من فراغ؛ بل هي نتاج تراكم وتفاعل، يشق طريقه بقوة في المجتمعات التي يستهدفها التغيير. وعلى الرغم من فرادة أي تجربة إنسانية، فإن القانون العام للتحول الاجتماعي، يفترض وجود برامج ومناهج سياسية وفكرية تمثل مرحلة التحول المرتقب، وتكون سابقة عليه.

لقد مرت القارة الأوروبية، بمرحلة تبشير وإعداد، وبرامج سياسية، ألقت بظلالها الكثيفة على مختلف الأنشطة الفلسفية والفكرية والأدبية، وجميع أنواع الفنون، بما في ذلك الرواية والشعر والموسيقى. ولم تكن مرحلة الرومانسية أو السريالية في الأدب الأوروبي، أو الواقعية، ومسرح اللامعقول والفن التجريدي والواقعية الجديدة، سوى إرهاصات ومؤشرات على أن أوروبا مقدمة على تحولات كبرى، تنقل مجتمعاتها من النظام القديم إلى القوانين الوضعية والعلاقات التعاقدية.

هذه المقاربة لا نجد ما يماثلها، في التحولات التي وصفت تعسفاً ب «الربيع العربي». صحيح أن هذا الحراك جعل الأمة على أعتاب مرحلة جديدة لا تزال تفاعلاتها مستمرة. لكن محصلة ذلك، هي تولي عناصر ناكسة مسؤولية القيادة، لتغيب البرامج السياسية والفكرية لهذا الحراك، ومعها الطابع الحداثوي في هذه التحولات.

المعضلة أن عصر التنوير كان صدى واهناً لتحولات دراماتيكية بالمجتمعات الأوروبية. نقلنا عنها أفكار الحرية والعدل والإخاء والمساواة، ولكنه لم يجرِ توفير البيئة المناسبة لها وتوطينها في الواقع العربي، وكان غياب ذلك هو الوجه الآخر لضعف الهياكل الاجتماعية، وانهيار الطبقة الرأسمالية المحلية، وغياب الطبقة المتوسطة بفعل الصعود الكاسح للاقتصاد الغربي، وقدرته على تدمير الصناعات الحرفية في حوض المتوسط. فكانت النتيجة نكسات متتالية مروعة شهدتها مراكز النهضة العربية.

ومنذ نهاية الحرب العالمية الأولى، لم يبقَ من بإمكانه قيادة العمل الوطني في مراكز النهضة سوى بقايا العالم التجاري والفئات الريفية والوجاهات، وقد تصرفت، على الرغم من تبنيها للأفكار الأوروبية، كوريث للثقافة التقليدية المحلية، لتعيش حالة انفصام مركبة. فهي لم تتمكن من القطع مع الماضي، ولم تعلن موقفاً واضحاً ومحدداً تجاه ثقافة المستقبل.

وقفت مشاريع التنوير موقفاً مرتبكاً من مسألة الدولة المدنية وتداول السلطة والفصل بين السلطات. كما وقعت أسيرة لحظة في التاريخ، فجاء خطابها عاطفياً ومشحوناً بتوتراتها وتجاذباتها. تأثرت بالتنظير الأوروبي حول مسألة الأمة، لكنها حين التزمت بها وطرحتها كسبيل للخروج من مأزق التخلف الراهن، غيبت الحديث عن الجغرافيا والمواطنة والدولة المدنية. وحين جرى الحديث عن التاريخ والثقافة المشتركة كعناصر أخرى من مكونات الأمة، كانت الإحالة واضحة إلى الناطقين بالعربية فقط، وليس للناس الذين يقيمون على جغرافيا تمتد من الخليج العربي إلى البحر المغاربي على ساحل المحيط.

خلاصة القول، إن ضعف الهياكل الاجتماعية، والحواضن الفكرية والسياسية للتحول الاجتماعي، وانشغال التنويريين العرب بتجاذبات اللحظة غيبت التراكم الفكري التاريخي، الذي هو شرط أي تحول سياسي حقيقي. وحين جاء «الربيع العربي» بعد هذه العقود الطويلة، لم يجد أرضية فكرية تحتويه وتقوده، فكانت النتيجة مراكمة أخرى للخيبات وضياع اليقين، وسيادة الخزعبلات والأوهام.