آخر تحديث: 16 / 5 / 2021م - 8:31 م

مقصلة الأوائل

كوثر الأربش * صحيفة الجزيرة

لو أنك في مضمار عدوٍ وأنت تعلم مسبقاً أنّ إحرازك للمركز الأول لن يتوّج بميدالية ذهبية، إنما بمجموعة سهام سترديك قتيلاً. فمن المتوقع أنك لن تتردّد لوهلة بالتراجع عن حلم الفوز.

في تاريخنا البشري والعربي على وجه الخصوص، ارتبطت الصدارة بالنّكال والعقوبة. ولا أتحدث هنا عن سلطة الدول وقمع الأنظمة، إنما أتحدث عن سطوة المجتمع في تثبيط الهمم وإحباط محاولات الارتقاء التي هي أشدّ ضرراً من أيّ سطوة أخرى. فمفهوم الريادة لدى المجتمعات الجاهلة، هو معنى آخر للجنوح أو الهرطقة أو الخيانة أو الفساد أو حتى الكفر. لهذا تحضرني مقولة شهيرة: «بإمكانك دائماً معرفة الروّاد بالسهام التي في ظهورهم». فوراء كل رائد في مختلف العلوم والمجالات تاريخ من الرّشق ومحاولات ضارية لاغتيال الطموح. ولن ننسى حين نتحدث عن ابن سينا، والفارابي، وابن الهيثم، والرازي، وابن حيّان، أنهم بدلاً من نياشين الرّيادة، باعتبارهم من روّاد العلم والفكر الإنساني في التاريخ، نالوا أصناف الأذى والتهم والتهميش.

منذ ذلك الوقت القديم للآن ومجتمعاتنا لم تتغيّر بما يوازي حركة العالم في الاحتفاء بالأوائل. وما إحراق الكتب والنّفي والحرب الذي وُوجه به في الماضي ابن رشد والفارابي وغيرهما، إلاّ مفاهيم باقية في العقل العربي رغم تغيُّر أشكال العقوبة بما يناسب العصر. المجتمع لا يكافئ الأوائل والروّاد وهو يشبه في هذا حِرفياً عجوزاً لا يهمه الإبداع بقدر ما يهمه أن ينتج مصنوعاته بنفس المقاس ونفس الحجم! وكما يرمي الحرفي ما يراه فاسداً من مصنوعاته؛ يقوم المجتمع بإقصاء من هم أطول قامة وألمع ذكاء وأجدر بالمكافئات والاحتفاء باعتبارهم فاسدين!. في طفولتي حكت لي والدتي عن طفلة أرسلتها والدتها لاستلاف كمية من الرز من جارتها. فوزنت الجارة مكيال الرز بمكيال من الرمل لتعيد لها نفس الكمية عند توفُّر الرز. وبعد حين همّت الأم بوزن مكيال من الرز مع مكيال من رمل مبلل «طين» لتعيد للجارة ما استلفته منها. فتدخّلت الطفلة مشيرة إلى أنّ وزن الطين أثقل من الرمل، وبهذا تكون كمية الرز المُعادة أكبر من المستعارة. فشهقت الأم وسحبت الطفلة من كمّها وانهالت عليها ضرباً وهي تصرخ مذعورة «الله يغبنش.. الله يغبنش» حتى فارقت الطفلة الحياة. تقول والدتي إنّ القصة حقيقية جرت أحداثها في إحدى قرى الأحساء قديماً. وأنا لم أصدقها إلاّ حينما كبرتُ واختبرت الحياة ورأيت بنفسي السهام مغروسة في ظهور الروّاد والأوائل!!.