آخر تحديث: 2 / 2 / 2023م - 8:15 ص

الاعتداد بالرأي

محمد أحمد التاروتي *

الدفاع عن وجهة النظر حق مشروع للجميع، باعتباره احدى الوسائل لإثبات صوابية الرأي مقابل الآراء الأخرى، خصوصا وان التنازل عن وجهة النظر بسرعة تفتح المجال امام الآراء، لتأخذ طريقها إلى البيئة الاجتماعية، الامر الذي ينعكس على القدرة على احتلال المواقع المناسبة على الصعيد الاجتماعي.

الوقوف بقوة امام وجهات النظر الأخرى بالطرق المشروعة، يسهم في اثراء البيئة الاجتماعية والانخراط في استيعاب مختلف الآراء، الامر الذي يساعد في انضاج التفكير الاجتماعي، والدخول في مرحلة غربلة وجهات النظر، والاستعداد للتخلي عن الآراء غير المناسبة، خصوصا وان ثقافة احتضان مختلف وجهات النظر على الصعيد الاجتماعي، يخلق بيئة تنافسية قادرة على تحريك المياه الراكدة، في العقل الجمعي لدى العديد من الشرائح الاجتماعي، لاسيما وان اعتماد ثقافة ”انا ربكم الأعلى“ لا تجلب سوى الخراب والدمار، على الصعيد الفردي أولا، والمستوى الاجتماعي ثانيا.

محاربة الاعتداد بالرأي يمثل الخطوة الأساسية، للانخراط في ثقافة الاستيعاب الإيجابي، فالوقوف امام كافة الأساليب الساعية لتكريس مبدأ ”الصوابية الدائمة“، يساعد في القضاء على هذه الثقافة على الصعيد الاجتماعي، الامر الذي يؤسس لحالة إيجابية قادرة على تحمل كافة الآراء، من خلال اعتماد ”الخطأ والصواب“ في وجهات النظر، مما يسهم في وضع الأمور في النصاب السليم، من خلال تحريك الوعي الاجتماعي باتجاه رفض مختلف اشكال مصادرة الآراء، وفتح الساحة امام الجميع للتعبير عن وجهات النظر بالطريقة العقلانية، بعيدا عن سياسية ”الاقصاء“ أو ”الاجبار“، التي يحاول البعض تكريسها في الوجدان الاجتماعي بطريقة متعددة.

الاعتداد بالرأي يدخل البيئة الاجتماعية في خانة ”التصحر“ الفكري، ويجلب الكثير من المشاكل على الصعيد الاجتماعي، خصوصا وان انتهاج سياسة ”المصادرة“ للآراء يقضي على تقبل وجهات النظر أولا، وممارسة التوجيه المستمر للبيئة الاجتماعية ثانيا، ”من اعجب برأيه ذل“، بمعنى اخر، فان الاعتداد بالرأي يحدث انتكاسة كبرى على الصعيد الفكري، عبر ادخال البيئة الاجتماعية في مسارات غير صحية على الاطلاق، فهذه الممارسة تكشف جانبا من الضعف لدى أصحابها، من خلال رفض دخول الآراء الأخرى بطريقة ”فجة“، مما يحرم المجتمع من المشاركة في وجهات النظر الأخرى، وبالتالي فان فرض الرأي الواحد على الساحة الاجتماعية، يولد انفجارا على الصعيد الفكري في المدى البعيد، لاسيما وان البيئة الاجتماعية ستجد نفسها مجبرة على ”الثورة“ على الرأي الواحد، باعتبارها من الظواهر ”المرضية“، التي تتسبب في الكثير من المعاناة على الصعيد الفكري.

القناعة التامة بصوابية الرأي، ليست مدعاة لمصادرة وجهات النظر الأخرى، خصوصا وان الآراء الصائبة تحتمل الخطأ، وكذلك الآراء الأخرى الخاطئة تحتمل الصواب، وبالتالي فان ثقافة الآراء الصائبة لا تجلب سواء المزيد من الانقسام على الصعيد الداخلي، نتيجة وجود شرائح اجتماعية غير قادرة على استيعاب المصادرة التامة لمختلف الآراء، مما يدفعها لمحاولة قراءة وجهات النظر المغايرة بطريقة مختلفة، للوقوف على الجوانب الإيجابية والأخرى السلبية، الامر الذي يحدث حالة من الحراك الداخلي على الصعيد الاجتماعي، وبالتالي فان التحركات الساعية لتكريس ”الرأي الواحد“ ستواجه بمزيد من الرفض، وعدم الانصياع لتلك المحاولات، باعتبارها لا تنسجم مع التفكير الإنساني القائم على التنوع، والبحث عن الجديد في مختلف المجالات الثقافية والفكرية.

استيعاب مختلف الآراء على الساحة الاجتماعية، لا يمثل انهزامية أو تنازلا عن وجهات النظر الشخصية، بقدر ما يعطي انطباعا إيجابيا بوجود مناخ، قادر على تحريك وجهات النظر بجميع الاتجاهات، مما يساعد في احداث نضوج في الآراء، والخروج بحصيلة قادرة على احداث تغييرات كبرى، على الصعيد الاجتماعي، انطلاقا من ”العاقل من جمع عقول الناس إلى عقله“.

كاتب صحفي