آخر تحديث: 23 / 4 / 2021م - 3:45 ص

اليابانيون وصناعة النجاح «1»

بدر شبيب الشبيب *

اليابانيون بشر مثلنا لا يختلفون عنا في شيء من هذه الناحية. أما اليابان كأرض فإنها تفتقر للموارد الطبيعية من نفط وثروات معدنية وأمثالها مما حبا الله به الأرض العربية الغنية حدَّ التخمة بثرواتها وكنوزها الثمينة، ويكفيها في ذلك النفط والغاز.

وفوق ما تعانيه اليابان من نقص في الموارد الطبيعية، فإنه وطن ينام ويصحو على قلق دائم، ليس بسبب «كأن الريح تحتي» كما يقول عمنا المتنبي، بل لأنه على صفيحة بركانية نشطة. ففي اليابان يوجد 86 بركانا نشطا، وهو على موعد دائم مع الزلازل التي كان آخرها وأعنفها ما أطلق عليه «زلزال شرق اليابان العظيم» عام 2011 والذي بلغت شدته تسع درجات تقريبا على مقياس ريختر، وأدى إلى أسوأ كارثة بشرية منذ الحرب العالمية الثانية، وتسببت الأمواج العاتية الناتجة عنه في انصهار ثلاثة مفاعلات نووية في أسوأ حادث نووي في العالم منذ كارثة تشرنوبيل عام 1986.

واليابان أيضا بلد ذو إرث ثقيل من الحروب والصراعات الداخلية والخارجية مع الجيران؛ مع روسيا والصين وكوريا. ووضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها عام 1945 بعد أن تلقت اليابان أسوأ الهزائم وأمرها، فاستسلمت إثر إلقاء القنبلتين النوويتين الأمريكيتين عليها.

ومع كل هذا استطاعت اليابان في فترة قياسية أن تعود لذاتها، وأن تقف مع نفسها وقفة صادقة، لتبدأ عهدا جديدا ذا سمات مختلفة عن الماضي، ولتشق طريقها بسرعة هائلة نحو التقدم ومنافسة الدول الصناعية الكبرى.

البداية كانت من الدستور الجديد الذي غير صفة الإمبراطور من «إله للشعب الياباني» كما في الدستور القديم إلى «رمز الدولة ووحدة شعبها». فلم يعد يتمتع بأي سلطة، بل له مهام احتفالية فقط مثل تسمية رئيس الوزراء بعد انتخابه من قبل البرلمان، حتى أن العائلة الإمبراطورية لا تتمتع بحق الانتخاب.

وتضمن الدستور الجديد مبادئ أساسية مثل الحكم النيابي وضمان حقوق المواطنين، حيث يضمن الدستور الياباني للمواطنين جميع حقوقهم المدنية، مثل «حق الحرية، المساواة، حق الانتخاب، حرية التجمع والتعبير والتفكير والكلام والاعتقاد، حق العمل، حق التملك، حق المحاكمات العادلة، حق مقاضاة الدولة، وغير ذلك»، ويتم اعتبار كل مواطن فردا مستقلا بذاته. وشكلت المادة التاسعة منه تغييرا جوهريا في السياسة اليابانية إذ نصت على التطلع بصدق إلى سلام عالمي قائم على العدل والنظام، وأن الشعب الياباني وبالحق السيادي للأمة ينبذ وللأبد الحرب والتهديد باستخدام القوة أو استخدامها كوسيلة لتسوية النزاعات الدولية.

لقد قررت اليابان أن تتخلى عن تاريخها العسكري وأن تتبنى منظومة جديدة من القيم العملية، وأن تنتقل من بارادايم paradigm إلى آخر، مما مكنها من مواجهة أخطائها بشجاعة بالغة وعزم أكيد على تجاوزها، لصنع المستقبل المختلف.

في كتابه الجميل الممتع «العرب وجهة نظر يابانية» يقول الياباني نوبو أكي نوتوهارا: «كثيراً ما واجهت هذا السؤال في البلدان العربية: لقد ضربتكم الولايات المتحدة الأمريكية بالقنابل الذرية فلماذا تتعاملون معها؟. العرب عموما ينتظرون من اليابانيين عداء عميقاً للولايات المتحدة الأمريكية لأنها دمرت المدن اليابانية كافة. ولكن طرح هذه المسألة على هذا النحو لا يؤدي إلى شيء. علينا نحن اليابانيين أن نعي أخطاءنا في الحرب العالمية الثانية أولا ثم أن نصحح هذه الأخطاء لأننا استعمرنا شعوبا آسيوية كثيرة ثانياً. وأخيراً علينا أن نتخلص من الأسباب التي أدت إلى القمع في اليابان وخارجها. إذن المشكلة ليست في أن نكره أمريكا أم لا. المشكلة في أن نعرف دورنا بصورة صحيحة ثم أن نمارس نقداً ذاتياً بلا مجاملة لأنفسنا بعدئذ نختار الطريق الذي يصحح الانحراف ويمنع تكراره في المستقبل. أما المشاعر وحدها فإنها مسألة شخصية محدودة لا تصنع مستقبلاً. من هذا الموقع نفهم مأساة هيروشيما وناغاساكي، ونفهم علاقتنا مع العالم».

هذا جزء من قصة اليابانيين مع صناعة النجاح، والبقية في المقال القادم.