آخر تحديث: 19 / 7 / 2019م - 1:49 م  بتوقيت مكة المكرمة

الأقليات

اميمة الخميس صحيفة الرياض

قد ترجع حركات التمرد والرفض من قبل بعض الأقليات لأسباب عرقية أو دينية، أو لغياب العدالة الاجتماعية، ولكن أعتقد بأن هناك أسباباً تاريخية أعمق من هذا تجعل من فئة أو طائفة ترفض الاندغام مع المحيط العام وتعيش في غيتوهات منفصلة عن المجموع، رافضة الاندغام.

حتى في أوروبا التي نستطيع أن نقول إن أنظمتها وقوانينها قد قطعت أشواطا كبيرة فيما يتعلق بحقوق الأقليات، مع وجود دساتير تحمي تلك الحقوق بقوة القانون حرصاً على التعددية والحريات الدينية، إلا أنها إلى الآن لم تتحول إلى مدن فاضلة تعكس الصورةالكاملة للتعايش الاجتماعي، وأقرب مثال على ذلك أنك لو عاملت شخصا من إقليم (كاتلونيا) في شمال أسبانيا على كونه أسبانياً، فقد تكون عندها قد أهنته واستفززت أقصى درجات الغضب بداخله، فإقليم (كاتلونيا) يرفض أن ينخرط في القومية الفرنسية أو الأسبانية، ويطالب بدولة مستقلة ولو حتى عن طريق العنف المسلح.

ومثال آخر في بريطانيا أعرق الديمقراطيات الأوروبية على الرغم من توقف النزاع المسلح بينها وبين الجيش الانفصالي الأحمر في أيرلندا ولكن عندما تخاطب مواطناً إيرلندياً بأنه بريطاني سرعان ماينتفض ليصحح لك المعلومة ويخبرك بأنه من أيرلندا وليس بريطانيا.

بالطبع العزوف عن الاندغام أو الدخول تحت سقف الأكثرية، يرجع إلى الخوف على حماية الهوية الثقافية، مع الحرص على عدم ذوبانها واضمحلالها داخل الكيان الأكبر، وقد كتب عن هذا الموضوع بعض الكتاب العرب الذين يعيشون في أوروبا كالطاهر بن جلون في كتابه (العنصرية كما شرحتها لابنتي)،وكتاب الكاتب اللبناني أمين معلوف (الهويات القاتلة).

وتظل تجربة التعايش والانسجام والانشغال بالمشروع الحضاري للدولة الحديثة إن كان مابرح ملفاً ملتهباً دموياً في أصقاع العالم،ومرتبكا في أوروبا، إلا أنه حقق الكثير من النجاح في أمريكا، لأن في قارة المهاجرين القادمين من أصقاع العالم هناك قانون يحميه بصورة مطردة، واعتبره الكثير منهم جزءاً من الأمن الوطني، حتى بات جزءا من مهمة يومية لا بد أن ينخرط فيها الجميع على العديد من المستويات.

ملف الأقليات لابد أن يعامل بكثير من الحرص والعناية، لأن إهماله أو التعامل معه كأنه فورات طارئة ولابد أن تخمد، أو عندما نخدش أحاسيسهم الوطنية باتهامهم جميعهم بالولاء لجهات خارجية، أو عدم الاستماع بعمق لمطالبهم ، عندها نحن بالتأكيد نسرف في صنع جدران الغيتوهات التي تفصلنا عنهم.

- لابد في البداية وقبل كل أمر أن نعترف بالحق الشرعي لتلك الأقليات بمشاركتنا تراب الوطن الذي يعيشون عليه منذ مئات السنين.

- البعد عن طعن شرف المواطنة عبر تهم التخوين والعمالة والاتصال بمصادر خارجية.

- المزيد من الأبواب المفتوحة والنوافذ المشرعة للقدرات الكفؤة المؤهلة منهم في جميع المجالات الدينية والإدارية والاجتماعية، وماسوى ذلك من قنوات تكرسهم جزءاً من المشروع الوطني الكبير.

- -احترام خصوصيتهم الطائفية وتقديرها مع تأكيد حقهم بممارسة طقوسهم وشعائرهم وفق ما توارثوه عن آبائهم وثقافتهم.

- في النهاية نجد أن تكريس الهوية الوطنية ومعالجة ملف الأقليات هو مشروع وطني يحتاج إلى صبر وجهد وحراك دؤوب على مستوى الواقع.