آخر تحديث: 20 / 10 / 2019م - 4:46 ص  بتوقيت مكة المكرمة

أصيبت والدتي

حسين نوح المشامع

أخبرني أحد ألأخوة قائلا: أصيبت والدتي بالصمم، وبالإضافة إلى ذلك أخذت تنتابها نوبات شديدة من الصرع، على اثر وقوع خزان ممتلئ ماءا من الطابق الثاني على رأسها. كان هذا عندما كنت أدرج صغيرا - وحينها لم يتجاوز عمري العاشرة - وها أنا ذا قد قاربت على الستين.

أخذت إلى عدة من المشايخ المعروفين في المحلة، ذاع صيتهم في نواحي البلاد، ليفكوا السحر المربوط بها، ويخرجوا الجن الذين سكنوها.

مرة فترة طويلة وهي تعاني ما تعانيه، وإذا انتابتها نوبات الصراع، كانت لا تستطيع التحكم في نفسها، فيعتقد من حولها أن الجن قد تلبسوها، للحركات البهلوانية التي كانت تؤديها وهي لا تعي.

كان الأهل يحرقون قطعة من حصير يقربوها من انفها، ليخرجوها من نوبتها تلك، ثم يجهزوا لها الأرجيلة - القدو - كما يسمى محليا، حتى تهدأ ويذهب عنها ما الم بها.

عندما كبرت وبلغت مبلغ الرجال، وعملت في احد الشركات المحلية، أخت والدتي إلى أحد الأطباء المتخصصين في الصمم. بعد الكشف عليها، وعمل الفحوصات اللازمة، تبين أنها لا تستطيع استعمال سماعة الأذن، لتحسين مستوى سمعها، لان صممها راجع إلى تلف في أعصاب الدماغ، وليس عضويا متعلق بالأذن.

مرت السنوات تباعا، دون أن نجد حلا لمعضلتها، فأقنعتها زوج والوالد - عليه الرحمة - بمرافقتها إلى مصر وحضور حفلة للزار.

بالفعل ذهبتا معا ورجعتا بعد شهرين أو ثلاثة. وها هي لا تزال لا تسمع كما كانت، ولكن تخلصت من نوبات الصراع.

زارت الكثير من أضرحة أهل البيت ، وتضرعت لله بهم، وبكت ونحبت كثيرا عندهم، ونذرت عند كل ضريح، إذا ما تم لها ما أرادت وتماثلت للشفاء.

فهل يجوز لنا شرعا حضور تلكم الحفلات، وهل تخلصها من نوبات الصرع عائد إلى الحفلات تلك!؟ وهل يكفي الدعاء والنذور لجلب الصحة والعافية، أما أن هناك شيئ آخر يجب القيام به؟! هذا ما نود فهمه من كلمات بعض المتخصصين كل حسب اختصاصه، مما سنعرض بعضها هنا.

يقول الأستاذ والدكتور رضا الغمغام: الجن موجود، وهذا لا أنكره، فقد ذكره الله تعالى في القرآن الكريم، أما الشيء الذي أنكره هو الاعتقاد السائد لدى الناس أن الأمراض النفسية تحدث بسبب الجن، فالعلم قد بين بطلان هذه العلاقة وخرج لنا بأسباب عملية موثقة طبيا، فبعضها يحدث نتيجة تغيرات جينية وأسباب أخرى.

فالأسباب معروفة، والعلاج بين أيدينا، ومن الخطأ أن نتجاهل ذلك، والدليل القوي هو تحسن حالة المريض بواسطة العلاج النفسي، من تناوله للأدوية أو الجلسات العلاجية، فالعلاقة بين الأمراض النفسية والجن هي علاقة غير منطقية وغير صحيحة أطلاقاً «1».

أما الشيخ فوزي السيف فقد قال: في موضوع المرض والعلاج يوجد عدة مسارات، المسار الطبيعي وهو كالقانون العام الذي ينبغي أن يسير عليه جميع الناس، بغض النظر عن إيمانهم وكفرهم وصلاحهم وسوئهم.

فالذهاب إلى المتخصص ومراجعته في هذا المجال، وهو القاعدة العامة التي يلتزم بها حتى الأنبياء والرسل ، مع ما نعرفه عن قربهم من الله.

والمسار الاستثنائي وهو ينقسم إلى قسمين. الأول: ما يؤدي من الأعمال أو الأقوال أو الأذكار إلى زيادة قوة النفس، الأمر الذي يمكن الإنسان من التغلب - بقوة النفس الداخلية - على العوامل المسببة لبعض الأمراض، وذلك أن في النفس قدرات كبيرة قد لا يكتشفها الإنسان إلا حين تتعرض للتحدي والاستثارة.

والأمر الآخر وهو الغيبي: وهو الذي يدخل في مسار الدعاء والتوسل وما شابه، ونحن نعتقد أن الإنسان عندما يشعر بأن السبل قد أغلقت أمامه، وان «لا ملجأ من الله إلا إليه»، يدعو الله الذي «يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء». وقد تكون الحكمة تقتضي إجابة دعائه والحصول على الشفاء من مرض عجز عن شفائه العباد.

أما الموقف الديني في مدرسة أهل البيت يمكن تحديده في ما يلي: لا اعتبار بالنتائج التي يتم الوصول إليها عبر هذه الفنون، مثل السحر وتحضير الجن واستخدام التمائم، بالإضافة إلى أن مزاولة هذه الأمور والإقبال عليها محرم في الجملة. «1» أتمنى أن تقتنع والدة صاحبنا بما قيل آنفا، وهي في هذا السن الأرذل من العمر، وان تعمل بما يرضي الله، فأنه سيرى عملها ورسوله والمؤمنون، فتعقلها ثم تتوكل على الله، فهو خير معين «1».

«1» التحدي الكبير - حسن الخاطر