آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 4:21 م

الحسين ميراث الأنبياء

منى الصالح

في نقطة مركزيه تدعى كربلاء، وقف الحسين في يوم عاشوراء يحمل في قلبه ميراث آدم ونوح وعيسى ومحمد ﷺ.. في هذه البقعه وفي هذه اللحظات اختزن الزمن لتكون الأيام كلها عاشوراء، وأمتدت المساحات في كربلاء لتضم الأرض جميعا فتكون كل أرض كربلاء، وترددت صرخته «هل من ناصر ينصرني» لتملئ صداها أفق السماء ليومنا هذا.

بل الى آخر الزمان، السلام على وارث آدم، أي ميراث يحمله الحسين ماهو الخط الرابط بين آدم فنوح وموسى وعيسى ومحمد «صلى الله عليه وآله وسلم» لتتوج بقلب الحسين

أي ميراث حمله الحسين ليكون هو بروحه وأهله وأصحابه وأطفاله فداء له، هل كانت كل تلك التضحيات لعبادة هدمت؟؟ أو لميراث أخذ؟؟ أم لكرسي يريد أن يعتليه؟ هذا الامتداد النبوي والذي قلد به الحسين يضعنا أما م حقيقه هامه، من أجلها نزلت الرسالات ولتحقيقها في الأرض تحمل هذا الخط كل هذه الآلام والمصائب، هي جوهر الأنسان هذا الانسان الذي أجلّه الله تعالى وأكرمه وسخر السموات والأرض له. كل قيم السماء جاءت لتحافظ على إنسانية الإنسان، وكل هذه التضحيات لإجل هذه القيم وهي فقط التي تتجاوز الحدود الدينيه الخاصه بكل نبي أو وصي، هذا الميراث هو حقيقه قلب الحسين الذي يحمل في أعماقها كل قيم الإنسانية التي أبى آدم ونوح وجميع الأنبياء أن تسحق أو تهان، ومن أجل ان لا يصادر له حق قدموا ما قدموا من فداء. فثورة الحسين هي ثوره الإنسانية الحقة، هي انتفاضة الإنسان من أجل كرامته وحقوقه، وحريته المستباحة. إنها ملحمة الإنسان الحر في كل زمان ومكان،

و إذا كنا نملك ملحمة بكل هذا الجمال والنقاء والفضاء المتسع للإنسانية لما لم تصنع إنسانيتنا وحضارتنا، لم تكن مأساة هورشيما في اليابان ذرة في صحراء كربلاء. ولكن اليابانيين خرجوا وهم يعزفون أوتارها لنرى اليوم الحضارة اليابانية مفخرة في الأصالة والنقاء والإبداع والإنسانيه، حيث أصبح حلم أجيالنا الواعدة العيش في العالم الآخر حيث اليابان، الأمم القديمة كانت تخلق من حروبها ملاحم، تتغنى بها الأجيال لترتقي بهم وتصنع حضارتها، ونحن بين أيدينا ميراث النبوة على أمتداد التاريخ وما زلنا من دول العالم الثاالث.

في كربلاء ويومها يتمثل أمام عيني.، أراه يقف بين الجموع وفي وجهه أسماء آدم وعلامات نوح وكلمات موسى وروح عيسى وفي نظراته تتجلى حكمة وحب وإنسانية محمد «صلى الله عليه وآله وسلم» يعلو صوته «هل من ناصر ينصرنا، هل من مغيث يغيثنا» ألم يكن في كربلاء من يسمع نداء الحسين ففضاءات كربلاء تضج برجال طالما سهروا ليلا وصاموا نهارا. هؤلاء الذين صموا أذانهم عن نداءه لم يكونوا كفار وفسقه وبعيدين عن الدين كما ترسمهم خيالاتنا، بل هم من الذين شهدوا رسول الإنسانية وصاحبوا علي الحق هؤلاء ممن يضربوا أولادهم على الصلاة ثم يحاربون الصلاة، هؤلاء ممن يحملون السيوف باسم الله ليقتلوا وجه الله، إذن لم تكن المعركة معركة كفر وإسلام، بل هي معركة الإنسانية في أعماق كل إنسان.

و الآن وبعد كل هذه القرون في كل يوم من عاشوراء أراه مجددا في نفس الصوره يرفع النداء ويتردد صداه في الأرجاء، وهم هم القلة الذين يتوافدون قوافل لتحمل الرايه معه وتذبح معه على مصاقل الإنسانية، ونحن في وسط هذا نبكيه، نذرف الدموع ونصرخ «ياليتنا معك لننصرك سيدي ونجيب دعوتك، ونبحث في الوقت نفسه عن مخابئ لندفن روؤسنا فيها، فالصرخة هي الصرخة والموقف هو الموقف نفسه، هل ياترى سننتصر كما أنتصر الحر على كل كل التناقضات التي تتحكم بنفوسنا، أم أنها سوف تكبلنا، لنبقى فقط نعزف ملحمة تبكينا، نلطم الصدور على من قتل في سبيل أن لا تصادر الحرية، أفكارنا وعقولنا ونحن على منبره وباسمه نصادر حرية الآخرين حيث نختصر الحقيقه عندنا ويصبح الرأي الصائب رأينا وليس من حق الآخر أن يعترض أو يضع علامة استفهام أمامنا، الحسين يسقي الحيوان بيده ويدافع عن الأرض بنفسه حيث خرج من مكه حفاظا عليها ونحن نشارك بكل قوانا في تدمير البيئه من كتابة شعارات الحسين على الجدران إلى نظافة حسينياتنا ومجالسنا إلى كل ملوثات البيئة التي بدأت تنتفض على الإنسان في معركته معها إلى نهاية لا تحمد عقباها، إننا لا نفكر بهذا فهذا لا دخل له بالحسين ، نقتل الوقت ضياعاً باسم الحسين لنوقف حركة العلم والعمل والتي من أجل تثبيت حقوقهما للإنسان حمل الحسين الكتاب وقتل معه قراء القرآن والعلماء ليعلن أن معركته معركة علم وعمل، كيف يضحي الحسين بدمه الشريف حتى يحول بين سقوط الإنسان في براثن العبودية، وتتفاقم مشاكل فتياتنا وشبابنا الذي يحمل الكف في عاشوراء لاطماً معزياً ثم لا يجد ضيراً أن يكمل الليل مع فتاة يغازلها أو رفقاء يتسكع معهم، كيف نجد لها مخرجاً حين نجده مسرعاً يتجاوز الآخرين متعدياً على حقوق السير قاطعاً اشارات المرور من أجل أن لا يتأخر عن موكب عزاء، أي تناقض نحمله في أعماقنا ونحن نبكي حسيناً وهو يحمل الرضيع ليعلن للتاريخ السالف والقادم أن للطفل حقاً تستحق إنسانيته المضيعة أن تراق الدماء لأجلها، ونخرج من المجالس ومازالت عيوننا ملئ بالدموع لنمارس أقسى أنواع العنف مع أطفالنا، ويأخذنا الحسين بجماله ومساواته وعدالته الإنسانية لنجده يضع خده على العبد الاسود كما صنع مع ولده الاكبر ليعلنها "انني ماخرجت ولا ضحيت إلا لأجل الإنسان في أعماقك، إلا لأجل جوهرة الإنسانية في قلبك.، ونحن نختزل الحسين وقد يغفر لنا الحب مانعمل «ومن الحب ما قتل» في الطائفه، وكأن الحسين ماقتل إلا لأجل فئه خاصه، وإلا كيف تفسر وبعد مرور هذا الزمن الطويل مازلنا نحن من نتغنى بهذه الملحمه، ألسنا وبدون إراده شاركنا في خنق قضيه الحسين منذ أربعه عشر قرنا ونحن نعرف ملحمه الحسين ولم تخلق هذه الملحمة التي تملك كل مقومات الحضارة الفكرية والعاطفية والإنسانية أن تصنع حياة بكل معانيها المشرقه.

وحتى لا نجافي الحقيقه ونكن منصفين لأنفسنا فإن كربلاء رغم كل تقصيرنا نحوها رسمت في تاريخنا صورا مشرقة لرفض الظلم والإباء، صورا في التحمل والصبر، صورا في الرحمة والحب والتواصل، ولكن نظره ثاقبة إلى أوضاعنا التعبة من شوارعنا إلى منازلنا إلى مدارسنا تستدعي كل هذه التساؤلات.

ألسنا أذن ممن يستصرخهم الحسين فيفرون وراء أنفسهم يبحثون لهم عن مخبأ، غير قادرين إلا ان يوجهوا سهما حيث مكمن الإنسانية وقلبها، لابد أن نخجل قليلا ونحن نسترجع حادثة كربلاء، لعلنا قد نكون ممن حمل السيف وتررد كما فكر الحر ولكنه نكص الى الوراء مخلفا وراءه ألف قصة وقصة تروى عن مدى بعدنا عن ثقافة الحياة التي لأجلها بكينا الحسين .

فلنبكي حضارة فرطنا بها، فلنبكي نظافة ربانا عليها الحسين فتخلفنا عنه، فلنبكي عقولا مصادره وكرامات مهدره وحقوق مضيعه، فلنبكي انسايتنا التي مازال الحبيب صارخا يستنجدنا فيها «هل من ناصرا ينصرنا.. هل من مغيث يغيثنا».