آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

الاغتصاب الفكري!

فوزي صادق *

ربما كان العنوان مبهماً، لذا نحتاج إلي بعض التركيز أثناء قراءة بحثـنا، وسنخطو بدهاليز الموضوع خطوة بخطوة كصعودنا السلم، وسنناقش معاني المصطلحات ونعرج على بعض الأطروحات والإشكاليات، وسنكون على درجة من الحيادية والعقلانية في الطرح.

تـصنف الكلمات بميزان الكلام وجوامع الكلم على كفتـين، فإما تكون الكلمة طيبة وتقع بكـفة الـ «طاهرة» وتمثل نزعة الخير، مثل الحب والسلام والكرم والصدق والإيثار والابتسامة والعطاء، وكل ما هو إيجابي محبب للعقل، أو تكون الكلمة سيئة وتقع بكفة الـ «عاهرة» وتمثل نزعة الشر، مثل القتل والاغتصاب والحسد والكراهية والاحتلال والإقصاء، وكل ما هو سلبي ومنبوذ من قبل العقـل.

يوجد رحم بكل عقـل، وهي ذاكرة الإنسان، والرحم يحتضن الكلمات كذاكرة، فأما يحدث تلاقح وتزاوج للكلمة بعد تلقيها مع فكر الإنسان نفسه فيحدث التخصيب «حبل فكري برحم العـقـل» ويلد مستقبلاً نتاج على شكل قول أو فعـل «إيجابي أو سلبي»، أو ربما لا يتم التلقيح لوجود موانع كالوازع الديني أو الضمير أو الخوف من العقاب، فتبقى الكلمة عاقرة برحم الذاكرة.. والإنسان معرض لتلقي كلمة طاهرة أو عاهرة مع الزمن متأثراً بمن حوله مادام حياً، فأما يتلقاها برضاه، أو بالقوة، والتلقي هنا أما بالاستماع أو بالقراءة أو بالتصرف السلوكي.

والأن سنتحدث عن الأغتصاب الفكري، وكيف يحدث اغتصاب للفكر، وماهي مكوناته ومعانيه وأبعاده، وهل يوجد زنا فكري أصلاً قبل أن يوجد اغتصاب للفكر؟.. فالزنا بالاصطلاح، هو الفعل الجسدي، وهو وطء حرام بدون عقد، أما الزنا الفكري فهو وضع كلمة سيئة ونعني بها هنا «عاهرة» برحم العقل النظيف البكر، وبرضا صاحب العقل طواعية «كتحصيل معلوماتي وثقافي».. أما الأغتصاب الفكري فهو وضع كلمة العاهرة برحم العقل عنوة وبالقوة، وبدون رضى المتلقي.

معنى كلمة الأغتصاب «سلب الشيء من صاحبه عنوة»، وهي كلمة فضفاضة وتحمل عدة أوجه وجوهرها السلب، فأخذ الشيء من صاحبه بالقوة يعد اغتصابا، فربما تغتصب أرضاً من صاحبها، أو تغتصب فتاة فتفقد شرفها، والوجه الأخر للاغتصاب وهو الفكري الذي يحمله عنوان موضوعنا، فهو وجه آخر يؤدي إلي نفس المعنى، فأما يتم بسلب حرية دينية أو فكرية أو عقائدية لمجموعة ما تعيش معنا بالمجتمع، أو إقصاءهم وعدم الاعتراف بهم كوجود، أو اغتصاب فكرة أو اختراع، وتؤخذ من صاحبها وتسجل بأسم آخر «المغتصب»، وكما شرحنا مسبقاً عن معنى الأغتصاب الفكري، وهي وضع كلمة سيئة «عاهرة» وتوابعها بالقوة وغرسها برحم عقل الإنسان المتلقي، كغرسها بعقل طالب بالمدرسة أو بعقل المشاهد أمام القنوات الفضائية، أو بعقل المصلين تحت منبر خطبة بمسجد أو بجامعة، وبلغة القوة أو السلطة أو الهيمنة، «أن تصدق وتؤمن بها وبنظريتها حتى لو لم تكن مقتنعاً بها» ويعد هذا الموقف اغتصابا فكرياً، ولو حدث هذا سينتج عنه ولادة فكرية شيطانية وغير أخلاقية مستقبلاً، كالقتل والإرهاب والاغتصاب والنهب ونشر الفساد والكذب والإقصاء، وتمثل كل تلك نزعة الشيطان في الأرض، كما فعل قابيل عندما أقصى أخيه قابيل من الوجود وقتله بسبب الغيرة، ولتوضيح أسهل للاغتصاب الفكري سنضرب مثلاً سهلاً، فسلب القلم بالقوة من صاحبه يعد اغتصابا للقلم، والضغط على الكاتب أو الإعلامي ليكون قلم مأجور يعد اغتصابا للـفكر.. والغزو الثقافي لأبنائنا ولنا من قبل القنوات الفضائية، والتي يصل عددها بالآلاف يعد اغتصابا فكرياً، والقصد منه زرع كلمات وأفكار ومشاهد عاهرة برحم عقولنا، لكي تحبل وتحمل مستقبلاً فكراً سيئاً، وينتج عنها جيل مائع وضائع بدون هدف.

أما بخصوص الأغتصاب الفكري الديني: قال تعالى بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿لا إكراه في الدين، أي لا عنوة أو إرغام على القبول بفكرة الدين الإسلامي أو المعتقد بالقوة، وهذا سمو وعظمة بالمشرع نفسه، وهو أن تؤمن بالشيء برضا واقتناع وأريحية من القلب، وقال الله موصياً الرسول ﷺ وصحبه الكرام: «ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك» أي كن ليناً ومرناً بابتسامة وعفو وأخلاق كريمة كي تحتوي قلوبهم، لذا عرفت الإنسانية إن رسالة الأنبياء هي «تعليم مكارم الأخلاق»، وهي بوضع الكلمات الجميلة والطاهرة بأرحام عقول البشر وبرضاهم، ككلمة طيبة أصلها ثابت وفرعها بالسماء، وكزرع طيب يؤتي أوكله الجميل المثمر ونشر السلام في الأرض.

إذاً الغربلة والحصانة هي الحـل لتفادي ولمحاربة الأغتصاب الفكري، وهو الحل الأنجع لسلامة عقولنا من الحمل الحرام بذاكرة العقل، ويتم عن طريق تقوية الوازع الديني والضمير الإنساني والتربية الحسنة، والثقافة الاجتماعية للشخص المتلقي والنشء، فمهما سمع أو قرأ أو درس الإنسان كلمات أو مصطلحات عاهرة، ودخلت رحم ذاكرته عنوة، ستكون لديه مناعة منها حتى لو حملها بعقله، ولن يتم التلقيح السلبي بفكره ولن يتسخ ويتأثر بها، وستبقى كمعلومة بأرشيف الذاكرة فقط، أما إذا كان صاحب العقل بدون غربلة ومناعة، سيتم الأغتصاب الفكري، وستكون النتائج سلبية، وأفضل ما يحصن العقل البشري من الأغتصاب الفكري، هو الحصانة الفكرية والرجوع إلي مكارم الأخلاق وهذا هدف وديدن الأنبياء.

كاتب و روائي - الدمام