آخر تحديث: 25 / 8 / 2019م - 1:28 م  بتوقيت مكة المكرمة

يوميات ممرضة: الترقية

حسين نوح المشامع

حميدة.... شابة وفي مقتبل العمر، متفائلة ومقبلة على الحياة. لم تتزوج بعد، لذا ليس لديها أطفال يشغلونها، أو يقتطعون وقت كبير من يومها. متعلمة ومثقفة وتعرف لغة أجنبية بشكل جيد، بالإضافة لغتها الأم. منحدرة من عائلة مستورة متوسطة الحال، قانعة بما من الله عليها من خيره وفضله. حصلت على شهادة البكالوريوس بعد أربع سنوات من الدراسة المستمرة والجد والمثابرة، فكانت تتطلع لوظيفة تعوض عليها ما بذلته من جهد، وتجفف ما أراقته من عرق. كان عليها الانتظار لفترة ليست بالقصيرة، حتى تم تعيينها في احد المستشفيات.

في يوم تعيينها وقبل استلامها لمهام عملها، استقبلتها مديرتها بكل حفاوة وتقدير، استقبال الرؤساء وذوي النفوذ. فأخذتها في جولة تفقدية لمختلف أقسام المستشفى، تتباهى بها أمام الأخريات، كأنها ابنتها البكر، ولكونها أول خريجة جامعة تلتحق بإدارتها. تعرفها على مسميات الأقسام، وما يقوم به كل قسم. وتقدم لها الممرضات بأسمائهن، والأقسام التي ينتمين إليها، ودور كل واحدة منهن.

مع الأيام أخذت تتقرب منها وتستميلها إليها، وتمنيها بالدورات التدريبية، والترقيات المنصبية، والزيادات المالية.

لم تتوقف عن استقطاع جزء من وقتها، لتمر عليها خلال عملهما، وتأخذها معها في محاولة لاطلاعها على سياسات العمل، للاستفادة منها في تطبيق القوانين والأنظمة. فهي اقدر وأكفأ شخص، لكونها جامعية تعرف الانضباط، كما قالت عنها ذات مرة.

في احد تلك الزيارات ألميدانية، نظرت إليها ووجهها ملئ بالصرامة والجدية: أريدك يدي التي ابطش بها، وعيني التي أرى بها، وأذني التي اسمع بها، لنتمكن جميعا من تطوير العمل وزيادة فاعلية الممرضات ونشاطهن. وجهدك هذا سوف يكون له مردود جيد، وذكرتها مرة أخرى بالدورات والترقيات والزيادات، كطعم يقدمه الصياد لفريسته ليصطادها به. ثم أضافت بعد فترة سكوت ليكون لكلامها وقعه المؤثر: سيكون لعملك هذا كبير الأثر على الأخريات.

فما كان من حميدة إلا أن حركت رأسها وابتسمت ابتسامة خجولة، كما تحرك القطة الأليفة ذيلها، وهي تموء بهدوء ولطف، وهي تحك جسمها بمالكها، شكرا وامتنانا على هذه الثقة الكبيرة، والمسؤولية العظيمة التي تحملها إياها، دون أن تعلق على كلامها، حياء واحتراما.

بمرور الوقت كسبت حميدة سمعة طيبة بين الأطباء والممرضات، وكلمة حسنة بين المرضى وكبار السن. وحسب تعليمات مديرتها أخذت تنقل إليها ما يدور في قسمها، من يستحق الترقية، ومن بحاجة للتدريب، ومن يستحق الثناء والتقدير على جهده وحسن صنيعه. تشير لكل شخص باسمه وتثني عليه، وتبالغ في تقديره.

مرت السنة والسنتان والثلاث دون أن ترى أثرا لذلك التدريب، بينما من حولها ممن لا يستحقها ينالها بيسر وسهولة، ودون عناء يذكر. فقالت تسلي نفسها: أنا متخرجة للتو وأخذت كفايتي من الدراسة والتدريب، فلست في حاجة لما يقدم لهن.

عندما رأت أن الترقيات والزيادات تنهال على أولئك النفر دون غيرهن، ودون حساب. سألت من يعملن معها عن السبب؟!

قلن وهن يتطلعن يمنة ويسرة، كما يفعل من يسرق ما ليس له، مخافة أن يسمعهن احد: هؤلاء صويحبات المديرة.

لم تقتنع بما قلن لها، وقررت الذهاب إليها لتطلع على الأمر عن كثب.

مكتب المديرة فاره واسع، واقع في زاوية منتقاة بارزة، في الطابق الأسفل من المستشفى، قريب من الإدارة العامة، وعلى بعد خطوات.

كانت المديرة منهمكة في عملها، لا تدير بالا لمن يذهب ومن يأتي، كأنها تعد نفسها لاستقبال شخص مهم.

تنحنحت حميدة أكثر من مرة، كمن يستعد لإلقاء كلمة مهمة، وسلمت، لتلفت نظر المديرة إليها، ثم جلست على المقعد المقابل لها، كما يجلس العبد أمام سيده.

سألتها المديرة بسرعة، ودون مبالاة عن سبب قدومها!؟

قالت حميدة بكل قوة وحزم، تعلو وجهها حمرة الغضب وضيق النفس، دون أن تخرج عن حدود الأدب، أو أن يفلت الزمام من يدها: لقد وعدتني سيدتي بالتدريب والترقية والزيادة إذا أنا نفذت ما تأمرين به، ولقد قمت بذلك خير قيام، لكني لم أرى أيا منها!

ردت عليها المديرة بكل برود ونزق، مصحوب بشئ من التهكم والسخرية: إن ما قمت به من عمل، وما تقدمينه من معلومات، ليس بذي بال، وما هو ما طلبته منك، بل هو على العكس من ذلك تماما.

تساءلت حميدة باستغراب، مسلطة نظرها على المديرة، كأنها تريد أكلها.

ردت المديرة، بعد طلبت منها الهدوء: اجلسي لأشرح لكي طلباتي بالتفصيل. جلست حميدة محاولة ضبط نفسها، تقلب الأمر في مخيلتها. ثم واصلت المديرة كلامها: طلبي أن تنقلي لي ما يدور في الخفاء بين زملائك، من هي المتعجرفة، ومن هي المتذمرة، ومن هي سليطة اللسان. لا أن تكوني محامية تدافعين عنهن، وتبحثين عن حقوقهن.

تطلعت إليها حميدة باستغراب، وقلبها يغلي كالمرجل الذي ترك على نار وهو فارغ. ودون أن تتكلم رفعت يديها وعينيها للسماء، وتركت مكتبها دون وداع.