آخر تحديث: 23 / 7 / 2019م - 3:59 م  بتوقيت مكة المكرمة

نشوة الإخوان بالوصول للحكم 1/2

كاظم الشبيب صحيفة الدار الكويتية

بعد نجاح ثورات الربيع العربي صعدت الحركات الإخوانية إلى ميدان إدارة الدولة وصياغة النظام. أثار صعودها جدلاً واسعاً عن ماهية الأنظمة القادمة في بلدان الربيع العربي. وبغض النظر عن طريقة هذا الصعود سواءً بالانتخابات أو بغيرها، فإن حضورها الكثيف على المسرح السياسي ودخولها لعبة الديمقراطية يجعل التساؤلات مشروعة عن مدى جهوزية هذه الحركات لتسلم الحكم وصياغة نظام الاجتماع السياسي، وعن مدى استعدادها لتقبل التنوع الثقافي والتعددية السياسية، وعن مدى المرونة التي ستقدمها في حقلي العمل السياسي والممارسة الدبلوماسية.

جانبان يقفان وراء ثورات الربيع العربي، وقد يتفق الجميع عليهما، هما "الإحباط والأمل". لا نأتي بجديد عندما نقول أن الشعوب العربية تعيش حالة إحباط تتمظهر في السياسة ولا تقتصر عليها، فهناك الإحباط الاجتماعي والإحباط الاقتصادي المعيشي والإحباط العلمي... إلخ. وفي الوقت ذاته يأمل المواطن العربي في تغيير يستعيد من خلاله اعتباره كمواطن كريم في عيشته، حر في التعبير عن أفكاره وأرائه ومعتقداته، ويتطلع إلى ديمقراطية ترفع من مستوى مشاركته في الشأن العام دون خوف أو وجل. ساعد على ذلك وجود تململ عند الشعوب من وجوه الساسة التي هيمنة على المشهد السياسي طوال العقود الأربعة الماضية.

صعدت حركات "الإخوان المسلمين" في تونس ومصر كما أنها في طريقها للصعود في ليبيا. هذا الصعود يعبر أولاً عن ثقل جماهيري حقيقي لهذه الحركات لا يمكن نكرانه. ويعبر أيضاً عن تغييب متعمد قد مارسته الأنظمة السابقة ضدها. ويعبر عن رغبة الشارع العام في التغيير وتجريب ما لم يُجرب، وقد يعبر عن طبيعة الشارع الذي لا يخفي هويته الدينية في وقت ينادي بشعارات إنسانية أشمل تتجاوز الهوية الدينية أحياناً. وعليه، أدرك الإخوان الوضع، في البدء توازنوا ما بين مطالب الشارع والموقف من النظام، كما حصل في تونس ومصر، ثم تكيفوا مع الثورة وتبنوا أغلب مطالبها، وبالتالي أمسوا المكون الأساس في تشكيل البرلمان والعمل على تشكيل الحكومة.

النموذج التركي لحكومة الإسلاميين الجدد، المتمثلة في حزب العدالة والتنمية، هي اليوم ما تحاول حركات الأخوان المسلمين في بلدان الربيع العربي محاكاتها. ولكن قد يغيب عن كثيرين تلمس الفوارق الكبيرة بين حركة الإخوان الأردوغانية وحركة الإخوان في مصر وتونس وليبيا، بل لا يمكن وضعهما في كفتي المقارنة. لذا لن تكون عملية المحاكاة يسيرة، ولن تكون مستحيلة. قد تخفق في بعض صورها ويحالفها النجاح في صور أخرى. أخوان تركيا هم حزب ديني يعمل في إطار علماني، هم حزب ديني سياسي يخوض غمار اللعبة الديمقراطية باحتراف. احتراف أنتجته أكثر من نصف قرن من التجربة المتراكمة بدأها المرحوم نجم الدين أربكان، الأب الروحي لإخوان تركيا اليوم. تجربة مليئة بالكر والفر والسجون والتحالفات والصراعات مع العسكر والأحزاب العلمانية المختلفة وأداروا الدولة فيها لبضع سنوات.

الإخوان المسلمون في تونس ومصر لديهم تجربة، لكنها لم ترتق لتمتحن نفسها في إدارة الدولة والمجتمع. لم يُعرف، تاريخياً، عن خطابهما المرونة والمسايسة، أفكارهم تميل للتشدد، أطروحاتهم في الاجتماع والسياسة والاقتصاد موضوعة في قوالب عامة وجميلة، ولكنها لا تتلمس الواقع المعاش. لذلك، وحتى منتصف عام الربيع العربي 2011، سادت حالة تخويف عند الغرب وبعض الدول العربية من الإسلاميين القادمين ما لبثت أن تحولت لحالة اطمئنان بعد تفاهمت غير معلنة قادتها قطر وتركيا بين الإخوان القادمين للحكم وأقطاب غربية وعربية. أما اليوم فهناك مؤشرات كثيرة على تحولات داخليه في الإخوان، هل هي تحولات تكتيكية مرتبكة بنشوة الوصول للحكم ويراد منها تجربة استلام دفة الحكم، أم أنها تحولات فعلية في الفكر والسياسة؟ هذا ما سنحاول التطرق له في المقال القادم.