آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

الثقافة.. جدل أم تبعية؟

نجيب الخنيزي صحيفة عكاظ

من الصعب تحديد الاتجاهات الرئيسية التي تحكم الثقافة الغربية بمعزل عن القوانين الأساسية التي تحكم مضامين الإعلام الغربي ووظائفه التي تعد من الأمور الجوهرية لمعرفة أبعاد السياسة الإعلامية التي يعتمدها الغرب في داخل بلدانه أو إزاء بلدان ومجتمعات الجنوب. نشير في هذا الصدد إلى السعي لتلطيف حدة الصراع والتناقضات الاجتماعية / السياسية والتقليل من شأن الخيارات الاجتماعية والاقتصادية البديلة، والتركيز على الاختلافات الدينية والمذهبية والاثنية في بلدان الأطراف باعتبارها محركات الصراع والتغيير، كما لا يتردد هذا الإعلام الغربي في فبركة وتلفيق الأخبار والوقائع خدمة للمصالح السياسية والاقتصادية الاستراتيجية للدول الغربية، إلى جانب تحقيق الحد الأقصى من الأرباح باعتبار وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي مشروعات تجارية في المقام الأول.

من أهم الأبعاد الخطيرة لسياسة الإعلام الغربي السائدة في زمن العولمة هي السعي الى تنميط القيم الثقافية، وأسلوب الحياة الغربية أو الأدق الأمريكية، وفرضها على مجتمعات العالم ذات الخلفية الثقافية والاجتماعية والحضارية المغايرة، الأمر الذي ولد ويولد ظاهرة التبعية والتفسخ والاغتراب الثقافي والنفسي. وقد أشار البروفيسور باساكلي نائب مدير عام اليونسكو السابق إلى أن الثقافة القومية ليست مجموعة أحجار أثرية أو أبطالا أو قيما فلكلورية يتم عرضها على السائحين، ولكنها خلاصة الميراث الروحي للشخصية القومية التي تضم كل القيم الرمزية والمجسدة التي تتميز بها هذه الشخصية.

فالثقافة القومية بمعناها التحرري هي ضد التعصب القومي «الشوفينية» بشكل مطلق ولا تقف عند نهاية محددة تغلق الطريق أمام المنتمين إليها وإلا فإنها سوف تشكل تهديدا لحرياتهم وتطورهم الإنساني. وقد أشار كل من الباحثين اكيل ساليناس وليناب الدان «فنلندا» في دراستهما «الثقافة في إطار التنمية التابعة» إلى أن الشركات المتعددة الجنسية قد تمنح الفرصة للتصنيع لبعض دول الهامش في العالم الثالث، ولكن في إطار التنمية الرأسمالية التابعة وبناء على ذلك تنمو الطبقات الوسطى المحلية التي تتشبع بالمؤثرات الثقافية لدول المركز، بينما تزداد هامشية الطبقات الشعبية، وينتج عن ذلك ازدياد التصاق ثقافة النخبة الحاكمة بالثقافات الأجنبية، ويتولد منها ما يسمى بالتجانس الثقافي الذي يواصل دوره في العمل على تجريد الشخصية القومية من مقوماتها الإنسانية والتاريخية، وتسطيحها إلى المدى الذي يجعلها تتوافق مع مجموعة الأهداف والمصالح التي تحكم شبكات التوزيع والتسويق الإعلامي والثقافي التي تقف وراءها الشركات والبنوك الكبرى في الدول الرأسمالية المتطورة.