آخر تحديث: 24 / 6 / 2019م - 10:20 م  بتوقيت مكة المكرمة

يوميات ممرضة: عقاب جماعي

حسين نوح المشامع

استيقظت حميدة من نومها فجأة، ولم يعد بمقدورها العودة لفراشها من جديد، رغم كون الوقت مبكرا جدا. والظلام مطبق على أنحاء القرية، كمعطف قاتم ثقيل، والنجوم بالكاد ترى بسبب كثرة الغيوم الداكنة.

تقلبت في سريرها يمنة ويسرة، ووضعت الوسادة على وجهها، لتمنع الضوء من الوصول لعينيها. واستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، وقرأت المعوذتين وأية الكرسي.

هدأت روحها، لكنها لم تفلح في مقاومة التفكير.

وخوفا من إزعاج زوجها النائم بجوارها لكثرة حركتها، قررت مغادرة غرفتها، وإشغال نفسها بأمور البيت، وأعماله المتراكمة، حتى يتسنى لها النسيان، ويمر الوقت سريعا.

توجهت لعملها مع خروج النور من تحت ركام تلك الغيوم الكثيفة، وهي تكثر النظر للسماء الرحيبة، ترقبا لما سيأتي به الغيب.

بوصولها أبلغت بطلب الإدارة لها، فوضعت يدها على قلبها، مخافة تحقق ما تخاف منه.

أحست أن الدنيا تنقلب رأسا على عقب، والسماء تهطل أمطارا غزيرة، وتسيل وديان كانت في الماضي منسية نائمة، فلا تبقي اخضرا ولا يابسا، فتهلك الزرع والضرع.

شرعت تحدث قلبها: أن هذا مجرد حلم مزعج وأضغاث أحلام، فلما الخوف! وأضافت: انه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، فهدئ روعها قليلا.

مع اقترابها من مبنى الإدارة، عاودها التفكير، وزادت نبضات قلبها.

داخل الإدارة شاهدت مديرتها بانتظارها.

بعد السلام والتحية، أمرتها أن تتبعها. فكانت مع كل خطوة تخطوها أمامها، تشعر أن اﻻرض تتزلزل من تحت قدميها، والجدران تقع بجانبها والأسقف تسقط فوق رأسها.

في مكتبها الخاص سألتها، بعد أن طبت منها الجلوس: هل علمت بما صنعنه بناتك؟

أجابت وقد رج عليها وتلجلج لسانها حرجا، كأنما قد ألجمت حجرا، وهي مطرقة حياء: علمت ببعض تفاصيل ما جرى عبر التواصل الاجتماعي.

- ما تظنين أني فاعلة بهم؟

- أخت كريمة وأبنت أخت كريمة.

- لم يعد هذا نافعا الآن، فلقد تطاولن على الأعلى من هن مرتبة، واكبر سنا

- خرج الكلام من بين شفتيها ثقيلا حزينا، كأنما لسانها قد علق في قالب ثلجي: ماذا أقول، الحق أن هن طويلات ملسونات، ولكن لم يحدث أن تعدين حدود الأدب.

- لا تحاولي الدفاع عنهن كعادتك.

- أن ما يغفر لهن عندي اهتمامهن الجاد بعملهن، حيث أن هن يؤدين واجبهن على أحسن وجه.

- هذا العذر لم يعد كافيا، يجب أن يعاقبن، ليكون ذلك لهن درسا، ابلغيهن بنقلهن لأقسام أخرى قريبا.

شعرت بدوار يلف رأسها وهي تخرج، كأنها على ظهر سفينة تتقاذفها الأمواج، تفكر كيف توصل لهن الخبر الذي صعقها قبلهن، وكيف ستدير القسم من دونهن؟!