آخر تحديث: 25 / 9 / 2020م - 6:36 م  بتوقيت مكة المكرمة

أنت! هل تعرف ما تريد؟

فوزي صادق *

وأنا صغير كنت أفكر بعقلية ضفدع البحيرة، فكنت أعتقد أن كل الدنيا هو ما يدور حولي فقط، وأني بمجرد أن أنام تتوقف الحياة، وعندما أصحوا من النوم تدب الحركة في الكون، وبعد أن كبرت، وخرجت من قمقم البحيرة أو المستنقع أن صح التعبير، تغيرت نظرتي وفلسفتي، وعرفت أني مجرد رقم واحد صغير جداً في هذا العالم الكبير، وأن الحياة ستواصل مسيرتها بي أو بدوني، وأني نفس واحدة من بين مليارات الأنفس المتصارعة على الأرض.

بعد أن بلغت، أي كبر عقلي ونضج نوعا ما، طرحت على نفسي هذا السؤال أثناء درس العلوم بالصف الدراسي الأول بالمرحلة المتوسطة ”ماذا أريد؟“، نعم ماذا أريد، وماذا تريد أنت يا قارئ المقال، والسؤال موجه لكل فئات المجتمع، العوام من الرجال والنساء، الشباب والشيوخ، ورجال الثقافة، والوجهاء والمسسؤولين ورجال الدين، هل هي أهداف؟ أم أحلام؟ أم حقوق؟.. نحن نسير على سكة الحياة منذ الولادة حتى الممات، وهذا طريق لكل البشر، فأن كان بهدف وخطة، فنحن نعرف ماذا نريد، سواء وصلنا حتى الهدف والغاية، أو لم نصل، لكن نعرف ماذا نريد، والي ماذا نرمي، وماذا نعمل. لكن أن كنا لا نعرف ماذا نريد، فهنا قول آخر، وهذا محور كلامنا، وربما لا نريد أن نعرف، ونبقى أسرى العشوائية في العيش، دون دراية أو غاية، وتلك مسألة صعبة ترمي بصاحبها في دائرة المشي مع القطيع، وبالعامية كي يصل المعنى ”عايش مع العايشين وخلف الخيل ياشقراء“ وعجلة الحياة تسير.

في بحثنا أمثلة عن مفارقات بالحياة، وعن الشباب خاصة ”ماذا يريد؟“ وهل يعلم أنه بحاجة لمعرفة ماذا يريد. نحن بشر، ولكلاً منا تفكير مختلف ومعادلة تركيبة مختلفة، والكل مقتنع بعقله وفكره ”هذا في الغالب“، والجميع شركاء بالحياة، والظاهر أمامنا بشر بزينتهم وبهائهم، والكل يمارس حياته الطبيعية، بغض النظر عن طريقة التطبيق في التفكير، سواء بنجاح أو فشل، بأعلى القمة يريد أن يصل أو بأسفلها سيقع، لكن الكل يعرف ماذا يريد؟ لكن المصيبة مع الشخص الذي لا يعرف ماذا يريد، وهنا الطامة الكبرى، ولا أقصد هنا الوظيفة أو المنصب، بل بكل مجالات الحياة وفروعها، المهم شئ تفعله وتعرف ماذا تريد من فعلك هذا، وينطبق على حياتنا المادية والاجتماعية والدينية، وغيرها الكثير من الأمور الحياتية.

شاهدت شاب ثلاثيني أو ربما أربعيني بصحبة دراجة نارية ضخمة جداً بإحدى محطات البنزين، أو ما تسمى هارلي، وكان صوتها مزعجا جداً، بحيث تخيلت أن كل سكان الشرق الأوسط قد سمعوا زئيرها وضجيجها، وكانت نظراته إلي الدراجة غير طبيعية، إذ كان يعاكسها، وكأنها عروس أو أعظم من ذلك. أخذني الحماس فاقتربت منه وسألته: هل هي هواية أم مهنة، فقال هواية منذ خمسة عشر سنة، فسألته هل أنت متزوج؟، فأجاب بنعم ولدي أبناء، وأسكن بشقة بالمنطقة، فسألته بكم اشتريتها، فقال بعشرات الآلاف من الدولارات، وزاد أنها المتنفس له، وهي أعز من بعض البشر ممن حوله، وأنه يعشقها، فرحل، فقلت في نفسي ”هذا يعرف ما يريد“.

أعرف ستيني قضى من عمره عشرات السنين في مشاهدة مباريات كرة القدم، سواء من قنوات التلفاز الفضائية، أو سابقاً حيث كان يشتري أشرطة الفيديو المسجلة، المهم حسبتها معه، إذ قضى ثلثي حياته في مشاهدة الكرة، والغريب أنه لا يلعبها، وله كرش بحجم مكنة سيارة، ولكن يعرف قوانينها بدقة، وأسماء لاعبين كل فرق دول العالم تقريباً، وأسماء الملاعب، فقلت لنفسي ”هذا شخص يعرف مايريد“.

يشكو أحدهم حال زوج أبنته، وإنه لا يعمل، ولا يريد أن يعمل، وقد ساعدوه بإيجاد عدة فرص ليخرج من قوقعة البيت، ولكن بائت كل المحاولات بالفشل، وبرنامجه اليوم فقط لقاء حميمي مع أبنتهم بالليل، وأكل ونوم بالنهار، وإذا سألتهم كيف قبلتم به؟ سيكون الجواب، أنه الغش والتلميع أثناء الخطوبة، فقدموه أهله أنه تاجر حقيبة متجول، وشريك بمكتب عقاري، وأتضح بعد الزواج أن الحقيبة فارغة، كذلك عقله على ما يبدو، والمكتب مغلق، ولقد دسوه أقربائه بالعسل، فوقع الفأس على الرأس وحبلت الفتاة، وستلد قريباً مع الأسف.. هذا الشاب لايعرف ماذا يريد، وهي مصيبة وطامة، والمصيبة الأكبر والأمر، إذا كان لايريد أن يعرف ماذا يريد! وعلى هذا يكون المقياس والميزان ومربط الفرس. ”هل تعرف ماتريد؟“

أحياناً نتمنى بقاء بعض البشر في بحيرة الضفدعة لوحدها، وتعيش وتأكل وتجتر لوحدها، حتى تموت وتريح العالم منها ومن شرها، والحياة ستستمر أفضل بدونها، فهؤلاء صداع مزمن لغيرهم، ولاتنفع معهم أنجع الحلول.

كاتب و روائي - الدمام