آخر تحديث: 30 / 9 / 2020م - 12:05 م  بتوقيت مكة المكرمة

ما هو ثمن حب الوطن؟

حسين رمضان آل قريش

بمناسبة إنتهاء الاختبارات النهائية وبداية العطلة الصيفية جمعتنا المناسبات مع ابناء الوطن في بعض المدن لولاية متشغن وأوهايو وكنا نسأل الشباب عن خططهم بعد الاختبارات فكان معظمهم قد تهيأ للعودة الى ارض الوطن، ويكاد الشوق يخطفهم الى هناك، وهذا شعور كل مواطن يعيش في المهجر بعيداً عن ارض الوطن يظهر حبه وعشقه وولائه لوطنه وذلك بترجمة تلك المشاعر للآخرين، أن المواطن السعودي كغيره من البشر يبرهن على صدق هذا الشوق والحنين الذي يعتمل في نفوس الشباب يتحول الى رغبة جامحة في ترجمة تلك المشاعر المشروعة التي أرتبطت بفطرة الإنسان أرتباطاً وثيقاً، وقد ورد في التراث الأنساني ما يدلل على مشروعية هذه الغريزة

على الصعيد النظري هناك من الروايات والأحاديث في الكتب المقدسة لكل الأديان، ويمكن القول أن الدين الأسلامي هو من رسخ هذا المفهوم وجسّده نبي الإسلام محمد عليه وعلى آله أزكى الصلاة والسلام حيث قال: «حب الوطن من الإيمان» ربما يقول البعض ممن لا يروق لهم الحديث عن الوطن أن الحديث مكذوب، ولكن ما تواتر عن النبي ﷺ وصحبه في حبه وشوقه لمسقط رأسه يكفي دلالة على حب الوطن.

على الصعيد العملي الواقعي، فإن هذه الغريزة لا ينفرد بها الانسان وحده وإنما يتعداه الى كل الكائنات الحية وربما يتساوى فيه الانسان والحيوان، وقد أثبت العلماء أن الحيوان يألف مكان عيشه، وإن هاجر عن موطنه في فصول العام ما يلبث أن يعود إلى أوكاره، وكنا في صغرنا عندما تنزعج أمهاتنا من قطة تأمرنا بإخراجها من المنزل فنقوم بنقلها من مدينة الى مدينة آخرى ربما تبعد عشرات الكيلومترات، وبعد يوم أو يومين ما تلبث أن تعود، فسبحان الذي أعطى كل نفس هداها.

ربما يتصور البعض أن مجرد الخروج من الوطن لأسباب إنسانية بحثا عن مصدر رزقه مضطراً دفعا للعوز والحاجة الى الناس حتى لا يكون فريسة للذل والهوان، أو لأسباب سياسية، ليدفع عنه الإضطهاد والكبت والظلم وسلب الحق والتمييز، أن تلك الآلام تشكل عبئا على الانسان فيتنكر لأرضه ووطنه، هذا التصورغير صحيح، ويخالف فطرة الإنسان، وقد قال الله سبحانه وتعالى ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا سورة النساء آية 97 فأرض الله ليست بالضرورة موطن الانسان الذي ولد فيه وهنا يتوجب عليه كسر هذه القاعدة والعمل بالقاعدة الأهم التي سوف يسأل عنها أذا قصّر ورضي بالذل والهوان، يقول: الإمام على ”الفقر في الوطن غربة والغنى في الغربة“

إن الذين جربوا العيش في أمريكا وأوروربا يجيبون على هذا السؤال إذا رجعوا الى ذواتهم وحاكوا فطرتهم فإن نعيم الحرية وحفظ الكرامة وتأمين لقمة العيش كل ذلك الرفاه لا يصمد أمام حب الوطن والإلتصاق به والاحساس بالانتماء اليه، هذا الأمر كنا نتصوره عند المتقدمين في السّن الذين يرومون العودة الى أرض الوطن مهما كلف الامر، أما الطلبة والطالبات من المملكة العربية السعودية الذين يبلغ عددهم أكثر من مائة آلفاً في الولايات المتحدة الأمريكية، وأوروبا نتيجة المسح أظهرت الغالبية العظمى ينتظرون العطلة الصيفية بفارغ الصبر، مع أنهم يعلمون أن الشهور الثلاثة، يونيو، يوليو أوغسطس، من الشهور التي تصل درجة الحرارة فيها الى 45 درجة مئوية، والمواطن السعودي يفرّ من جحيم الصيف إلى الأماكن الباردة، ولكن حب الانسان لوطنه فطرة مزروعة فيه فإنه ليس من الضروري ان يكون الوطن جنة مفعمة بالجمال الطبيعي تتشابك فيها الاشجار وتمتد على ارضها المساحات الخضراء وتتفجر فيه الإنهار، كي يحبه ابناؤه ويتشبثون به، فقد يكون الوطن جافا، مناخه كما هوالحال في مناخ دول الخليج، الشمس فيه تحرق الخضر واليابس، شريطة ان تتوفر فيه ابسط حقوقه المواطنة.

الإجتهادات في تعريف المواطن الذي تنطبق عليه شروط المواطنه، فمنهم من أكتفى بوصف الإنسان الذي يحمل مشاعر الحنين الصادق لوطنه عندما يُغادره إلى مكانٍ آخر، ويعتبر ذلك دليلاٌ على قوة الارتباط وصدق الانتماء. ومنهم من أشترط صدق الإنتماء الى الدين أولاً ثم الوطن ثانياً، وفي الحقيقة يبقى الإنتماء ناقصاً إذا أكتفى المواطن بحبه للإرض دون الإنسان الذي يعيش معه على تلك الارض والعيش معه بسلام وتآلف ومحبة وتآزر وتآخي مع كل المواطنين الذين يمثلون في مجموعهم جسداً واحداً يواجهون كل التحديات وإن إختلفت آرائهم ومشاربهم ومذاهبهم في ظروف الحرب والسلم، فإذا تحقق العمل من الجميع على صيانة وحماية حياة إبناء الوطن وتحقيق العيش الكريم، بهذه الشروط يعرف المحب والعاشق لوطنه.