آخر تحديث: 30 / 9 / 2020م - 12:05 م  بتوقيت مكة المكرمة

كان ياماكان

علي التتان

كان ياماكان، في قديم الزمان في سالف العصر والأوان، وتحديداً بالأمس. كان أن سرح، كعادته، خيالي في نقاطٍ مختلفة متعددة تتعلق بجميع جوانب حياتي، وقد تتعلق أحياناً بحيوات من حولي لأكون صادقاً. ولكن الأمس لم يكن عادياً، فقد أبى عقليَ إلَّا أن يخرج عن نص روتينية تفكيري ورتابته، ليختلق مقابلة وهمية هي أقرب للخيال العلمي. كانت مقابلة مع إبني، حشاشة يوفي، هالقطعة من جبدي. وإذ أنني لم أرزق بعدُ بأبناء في الواقع، ولسوء الحظ ومرارة العيش لم أرزق بعدُ بزوجة أيضاً؛ فلن يعترض على جموح خيالاتي أحد.

دعوني أصف الموقف: كنت جالساً باسترخاء في غرفة الطعام في بيتي الواسع، والنسمات الباردة الصيفية المعروفة تحديداً في القطيف تداعب خصلات شعري. دجاجة تم التمثيل بجسدها ملقاة أمامي على صحن أشبه مايكون بساحة معركة أبيد جميع من فيها بقنبلة كيماوية «نعم، هناك أجندة خارجية ساعدتني». كان ابني كشبل يتبع أباه، مستلقٍ أمامي بهيبة ملك، بادرته قاطعاً عليه استرخاءه بصوت مرتفع قائلاً «سفرة دايمة يالحلو»، صمتَ وقد فَضَحَت ملامِحُه استماتة تفكيره في البحث عن رد لائق يجاوبني به، تذكرتُ عندها كم كنت اشعر بالإحراج حينما يستخدم الكبار جملةً لا أعرف الرد المناسب عليها، وكم من موقف لا يسعني ذكره «أو بالأحرى لا أرغب بذكره إذ أن بعض المواقف تربكني وتخلط معدتي مجرد استرجاعها» قد غيَّر ألواني وصببني عرقاً. قادني هذا الموقف مع شبلي وخليفتي وولي عهدي إلى ذكرياتٍ آثرت أن أتلوها عليه للعظة والحكمة مادام يجمعنا الاسترخاء وحنان الأبوة ونباهة البنوة، خاصةً وأن جيل إبني كان - في خيالي هذا - أسوأ الأجيال تعليماً واحتراماً وتربيةً، أي أسوأهم ديناً وعبادة. وكغيري بالطبع، لن ألقي بأسباب فشل جيل ابني على تربيتي.

صفقته على ظهره بشدة قائلاً: اسمع يابني، عندما كنت في عمرك، كانت طبائع العرب تكبر وتنمو معنا بمرور الأيام، وكانت تعاليم الاسلام تُتَّبع وتنفذ بحذافيرها المحذفرة. لم نكن نملك تعريفاً للفوضى والاختلاف الذي نراه الآن، لم يكن هناك اختراق أو تجاوز للقوانين أبداً، وأقصد بهذا القوانينَ العرفية في المجتمع وأيضاً القوانين النظامية في الدولة، تخيل أنني لم أرَ قط شاباً يعلو صوته على من يكبر أباه بعشرين سنة عمراً، أو مراهقاً يرمي بعلبة الغازيات النصف ممتلئة على عامل القمامة الأجنبي الذي - بعد عدة أيام - يُلام هو وأبناء جلدته على قتل آلاف مؤلفةٍ من أبناء جلدتنا. أتصدق؟ لم يحدث قط أن سَرَقنا، بل كنّا نرى الأموال ملقاةً في الطرق ولا تزيغ أنظارنا ولاقلوبنا إلى وساختها، لم يلتصق بكرشتي المتكدسة هذه «وقد رفعت الفانيلة البيضاءصفراء عن بطني للإيضاح» أي ملصق من ملصقات السنتوب، إذ أنَّا كنّا ننافس بشرف وكرامة لايشوبها مال حرام. إسمع، وصدِّق مباشرة جميع مايخرج من فَيِّ أبيك، كانت دراستنا وشهاداتنا تعتمد على جهودنا، لم يحدث أن التفت أحد الطلاب في زماننا لورقة غيره أبداً، بالطبع ولايخفى عليك أن هناك من يقول أن بعض الأجانب من بعض الجنسيات كانو متفوقين علينا، إلا أن جميع ذلك اشاعات يُراد بها إبعاد الحسَّاد عنَّا.

هل تعلم؟ كان ابداعنا خيالياً وخارجاً عن المألوف كثيراً، هل خطر ببالك لمَ سميَ سوقٌ يُقام يوم السبت بسوق الخميس؟ كنَّا نحاول ابعاد الازدحام الخارجي عن منطقتنا فنفذنا هذه الخدعة التي انطلت على الكثيرين. أوَتدري؟ جميع من كان يَحكُم ويتسلم مناصباً عالية في تلك الأيام كان إما صاحب شهادة عليا وتفكير عالٍ، أو شسمى، وأقصد بالشسمى طبعاً صاحب خبرة عملية كبيرة وليس صاحب ”واو“. أتعلم أن لباس نسائنا كان الاحتشام كله؟ لم نعهد الاختلاط اللا مُبرر، لم نعهد التلوُّن والتزين في العباءات، لم نعهد التبرج والسفور والضحكات والعطور التي.... آآآآآه بس.

أما في مجتمعنا؟ فكنا يداً واحدة، متكاتفين لم يفككنا أبداً دين أو مذهب أو تقليد مرجع أو إمامة إمام، كنّا نحب أهل بيت الرسول عليه وعلى آله الصلاة والسلام حتى ترى القطيف كالمقبرة في جميع أيام وفيات المعصومين والمقدسين من الشخصيات العظيمة، تلتحف بالسواد والسكون والحزن، لم أرَ أبداً واحداً يضحك ليلة العاشر من المحرم، لم أرَ أبداً محلاً يفتح أبوابه ليلة وفاة ابن الرسول الحسن الزكي ، لم أرَ شخصاً يبكي ويلبس الحداد على أمه التي أرضعته كما يلبس أبناء منطقتنا الحداد على افضل نساء العالمين الزهراء .

وعلى العكس، فقد كانت جلُّ أفراحنا أفراح آل بيت الرسول، كنّا نهنئ بعضنا في هذه الليالي ونتهادى الهدايا لأرحامنا وأحبابنا سعيدين بفرحة الملائكة معنا، لم نتفق مع غيرنا أبداً ممن يتهادى ويهنئ بأعياد الحب والميلاد وغيره، بل كان الرابع عشر من فبراير والخامس والعشرين من ديسمبر - مثلاً - أعياداً لم يدرِ أيُّنا مناسبتها. لم نرَ أبداً أي خروج عن المألوف في ليالي النصف من شعبان وشهر رمضان. فقد كان الجميع يفرح ويسعد كما أوصى آل البيت تماماً، يحضر الجميع بلا استثناءٍ مجالس ذكر فضائل اهل البيت ثم يخرجون لتهنئة الأرحام والجيران وتوزع الحلويات والأموال احتفالاً ببركة هذه المناسبات، كنّا نعود إلى بيوتنا لنقتسم ما اكتسبناه مع بعضنا البعض، ولم نكن أبداً نقتسم أرقام الفتيات اللاتي اصطدنا في تلك الليلة أو نروي حكايا المغامرات الزير سالمية التي عايشنا. لم يحدث قط أن استتر مراهقان وراء ازدحام هذه الليالي ليعيشو قصة حب مغلفة بالغباء من جهة وبالاحتيال من اخرى، أصلاً لم يحدث أبداً أن عاكس شاب فتاة أو عاكست فتاة أي شاب سواءً أمام الناس أم من خلفهم، إذ يجب علينا أن نأخذ بالاعتبار أن احتشام الفتيات وتدين الأولاد المنعكس من ملازمة المساجد والحوزات تمنع الطرفين من الاعتداء على الآخر. وعلى ذكر الفتيات، هل تعلم أن لم يصل لمسامعنا أبداً تطاول فتاة بقلة حيائها على فتى، كأن تخرفنه أو تمسخره أو تشحن هاتفها النقال على حساب بلاهته. ومن الجهة الأخرى، لم يحدث أبداً أن ابتز أحد الفتية «خويته» بعد أن تُزيل بنفسها أشواكها لتسمح له باقتطافها، فمادام قد اقتطفها فما المانع من أن يدوسها مراراً وتكراراً، فبنظره لا حياة لها إلا بين يديه وبرحمته، وكما قلت لك يابني ويا ثمرة فؤادي ووريث عرشي، لم نسمع أبداً بمثل هذا.

كانت أخلاقنا أفضل أخلاق البشرية ياولدي. فمثلاُ، والمثال للضرب لا للقياس، إن كنت تقود سيارتك بحدود السرعة المسموحة في أحد الشوارع ولم تتجاوز تلك السرعة بكيلومترٍ في الساعة، فلن ترى وراءك سيارةً مسرعةً متهورةً يفصل مقدمتها عن مؤخرة مركبتك مقدار مليمترات وقد أصبح يشعل ويطفئ في أنوار سيارته، ولن يلعن أحدٌ أمك أو جدتك أو أباك، ولن تُقذف بكلامٍ يُوجِب الجلد. أضف إلى ذلك استيعاب الجميع لأهمية افساح الطريق لخدمات الطوارئ، لم أشهد أبداً سيارة اطفاءِ حريقٍ اختنقت في زحام أحد الطرق، أو موظفي إسعاف لايستطيعون الوصول للمصاب بسبب الجمهرة. ولإحقاق الحق يابُني، فالكل يشهد لأصحاب الباصات الصغيرة بحسن أخلاقهم ومثالية قيادتهم واتباعهم للأنظمة واحترامهم للأرواح التي أرفقها الناس معهم.

كما أن فرص العمل والتطوير الشخصي كانت مقدمةً وموفرة بعدل ومساواة لجميع المواطنين، ألا ترى كم جامعة ومؤسسة أكاديمية بُنيت في القطيف بناءً على دراسات تؤكد أن الكثافة السكانية لهذه المنطقة تحتم بناء دُورٍ أكاديمية متكاملة فيها، أوَلم ترَ كيف كان أصحاب الشركات وموظفو مواردها البشرية يقفون صفوفاً راغبين بتوظيف أبناء الدولة احتضاناً لجهودهم وتعهداً بتدريبهم لحظة تخرجهم؟ كان معروفاً عن بعض الشركات كسابك وصدارة تنافسهم على توظيف أهل القطيف خاصة لمستواهم العالي المتصاعد في الالتزام بالعمل وقوة الانتاجية والذكاء والنباهة. أما الرواتب فحدث ولا حرج، لم تكن مصطلحات الفقر والتسول تشغل سطوراً في قواميسنا، كانت الرواتب تكفي القوت وتزيد، ولو كانت مثل هذه الرواتب في غير دولتنا لكانت السياحة الخارجية مزدهرة فيها، إلا أن دولتنا قد وفرت جميع ماقد يطلبه أي سائح في العالم، مايجعلنا نقضي كل عطلة وإجازة في ربوعها.

على أي حال، كنّا نسافر بسياراتنا للاعتمار او الحج او زيارة الرسول والبقيع، البنية التحتية للشوارع وصيانتها وحسن انشائها كان عاملاً اساسياً يضمن لنا الراحة في السفر، حيث تصل خدمات السفلتة والرصف لأضيق الأحياء وتتم صيانتها بشكل دوري تجنباً للأضرار المستقبلية على الشعب. لم نسمع قط بمضايقات لفئة من الفئات أو مذهب بعينه، بل كان احترام الرسول وزواره يطغى على جميع من يخدم الحرم النبوي والبقيع حيث يرقد أبناء أشرف الخلق.

إعلم ياحافظ نسلي ودليل رجولتي أننا عايشنا فترة من الزمان متمتعين بكل حرية يطلبها أي إنسان ويطالب بها كحق له. نعم كانت هناك قيود، لكنها كانت قيوداً على المنع والحظر والقمع. كتبنا جميع أنواع المقالات من انتقاد وعتاب وأحياناً هجاء، قد يصل لأعلى المسؤولين، ولم نكن نُقابل إلا بالشكر على إيضاح مثل تلك الأخطاء إذ سيستفاد منها في تصحيحها واجتناب حدوثها مجدداً، وقد تطال هذه المقالات جميع المسؤولين بدايةً بقمة الهرم إلى أسفله وماكنَّا نرى إلا التعديل والتصحيح. حتى شركة شيفروليه لم تكن تصدِّر لدولتنا سياراتٍ سوداء «جمس أسود» إذ كانت تجارة خاسرة لا حاجة لها، وإن كنت تتساءل، فنعم، لم يكن هناك عقار أو منازل وراء الشمس.

كان حديثاً ممتعاً مع شبلي الوهمي، حاولت فيه إبراز المزايا والخصوصيات الجميلة التي يحويها زماني وعصري، حاولت أن أكون صادقاً ودقيقاً - حتى في خيالي - قدر المستطاع وبحمد الله كنت.