آخر تحديث: 30 / 9 / 2020م - 11:40 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الشيخ علي المرهون... عِمةُ هداية لا عِمة جباية

فاطمة المهدي

اعتاد الباحثون في الدراسات المختصة على تناول ظروف النشأة للشخصية موضوع البحث وتحليل الآثار الفكرية التي تركتها. أما الجانب الذاتي والسلوكي فأنه لم يأخذ حجمه المطلوب في الكثير من هذه الدراسات، من هنا أطلت علينا الذكرى الثانية لرحيل علم من أعلام السماحة كتب عنه الكثيرون في المنتديات الفكرية إلا أنها لحد الآن لم تصل إلى مستوى تكوين الرؤية الحقيقية حوله. الشيخ علي المرهون عِمةٌ هداية لا عِمةُ جباية. أعتمد الشيخ المرهون الجهاد والنضال والمواجهة منذ نعومة أظفاره منذ أن كان شاباَ يافعاً في مهجره في النجف الاشرف.

وحين هبط لبلده القطيف في العام 60 من الهجرة إلا وقدم عطاءً ذلك العطاء هو الإعلان عن إنشاء حوزة علمية فكان هذا الإعلان يعد بمثابة التفجير المعرفي آنذاك فكان هو ومن وراءه أبيه كان الشيخ علي المرهون رجل الفكرة وقائد التحرك فلنستمع إلى المؤرخ " الحاج محمد علي التاجر البحراني " المتوفى سنة 1387 هـ وهو يؤرخ في كتابه " منتظم الدرين " في النسخة المخطوطة لحياة الشيخ المرهون في تلك الفترة الحاسمة ‘إذ يقول: يعني بذلك الشيخ المرهون: «ثم عاد إلى القطيف إي الشيخ علي المرهون نحو سنة 1360 هـ حيث أجبرته الحرب ونتائجها إلى مراجعة وطنه وصدرت عليه وعلى والده محنة كادت أن تأتي على حياتهما على إثر قيامه بإلقاء خطبة في محضرِ عام يحضُ فيه قومه على النهضة العلمية العصرية وتشجيعها بفتح المنتديات فكان ضد سياسة حكومته التي لا تريد للشيعة إي كيان علمي في مملكتها فقبض عليهما وقيدا إلى نجد ثم الحجاز بعد أن فتش منزلهما وضبطت محتوياته فلبثا في معتقلهما نحو عام ثم فرج الله كربتهما فأطلق الملك عبد العزيز السعود سراحهما فعادا إلى بلدهما القطيف فلم يلبث والده شهور وأنتقل إلى عفو الله.

هذا هو الشيخ علي المرهون المجاهد المضحي ولعل الذين عايشوه عن قرب يدركون أهمية هذه الحقيقة ومدى تجسدها في حياته المباركة وعمره الشريف أستطاع الشيخ المرهون أن يكون هو النموذج الأمثل فقدم في ضوء ذلك معالجاته وطروحاته الفريدة من النظرية والتطبيق والمواجهة في استكمال مشواره الطويل الذي بدءه منذ إعلان دعوته «له دعوة الحق» في بيان مطول نشرته جريدة الخليج الصادرة في البحرين آنذاك ولقد نشره لاحقا الأستاذ عبد الإله التاروتي في كتابه " الشيخ علي المرهون رواية مجتمع وتجربة حياة بخط الشيخ نفسه بينما الآخرون كرسوا حياتهم يتكرشون في معجن التخمة لاهثين ركضاً وراء الاستيلاء على الأوقاف في الوقت الذي يفتقر فيه المجتمع إلى زاد ثقافي يصونه من الانحراف ويعينه على ممارسة دوره المرتقب في التوعية والتغيير هذا من جانب الصمود والتحدي ينما على صعيد الأمانة والأصالة التي شكلت معلماً واضحاً في حياته فلم تكن الوكالة عن المرجع هي المرآة التي يطل بواسطتها على المجتمع لكسب مآربه وتحقيق أهدافه فلم يتقدم يوماً من الأيام لمرجع يطلب منه وكالة أو تمثيلاً ولم ينظر للوكالة كبطاقة تموينية يعتاش منها ويبني بواسطتها القصور ويكنز عشرات الملايين في البنوك ويشري الكثير من البنايات ومحطات الوقود من دماء الفقراء وعرق الكادحين وأوقاف المحسنين فلم يكن يعتاش على الدين وإنما عاش للدين ومن أجل الدين فلم يحقق المكاسب الشخصية لذاته من خلال ارتباطه بالدين وهذا يقودنا في النهاية إلى قدرته على تكوين ترابطات واكتشاف علاقات مع ربه متجاوزاَ أنماط الفهم السائد لينتج فكراً وتصوراً جديداً لممارسة الوكالة عن المرجع وكيفية قبض الحقوق الشخصية فلنقرأه في أحدا مراسلته وممارساته مع أعلى سلطة مرجعية الأمام السيد محسن الحكيم إذ لم يطلب الشيخ منه الوكالة ابتداء إذ يقول الشيخ ضمن رسالته الموجهة للمرجع الحكيم «رأيتم لخادمكم قبول الوكالة وأثبتموها إليه منناً منكم عليه وليس في وسعه أن يرد أمركم بدون أن يكون في قبال ذلك عٌشر أو خٌمس وعلى كلٍ أرجو أن أكون وسيطاً خدمة للعلم وأهله بدون أن أكون شريكاً بعون الله وحسن توقيفه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. من خادمكم المخلص: علي المرهون.[1] 

هذا الاتجاه هو مفتاح العمل الإبداعي وهو الوريث الأصيل لصرح ضخم من الأمانة والنزاهة والذي يقف على قمة شامخة رجال عظام ترن ذاكرة التاريخ لسماع أسمائهم من الذين سيطروا وحلقوا في فضاءات التقوى والورع والزهد والنزاهة وفي مقدمتهم الشيخ علي المرهون لقد خاض الشيخ أبو الفرج هذه التجربة بشجاعة فائقة وثقة عاليه وبصوابية منهجه وصحة فكره وقوة إيمانه وبقدرته على تحقيق أهدافه كقدرة الطبيب الجراح وهو يجري أخطر وأدق العمليات الجراحية لقد رحل الشيخ علي المرهون من هذه الدنيا ولم يخلف لا صفراء ولا بيضاء حتى منازل سكناه في الدبابية وأم الحمام والمسعودية أوقفها للصالح العام كما أعلن ذلك نجله الدكتور محمد في أربعينيته على مسامع العشرات من الحاضرين في مجلس تأبينه. هكذا يجب أن نقرأ الشيخ علي المرهون كتاريخ ندرسه وكفكر يفتح إلينا طريقاً جديداً نستنشقه في الهواء الطلق والصحو المشرق.

فسلامٌ عليكَ يا أبا الفرج في الخالدين.

[1]  المصدر: «عبد الإله التاروتي الشيخ علي المرهون رواية مجتمع وتجربة حياة الرسالة بخط الشيخ نفسه»