آخر تحديث: 4 / 6 / 2020م - 2:07 م  بتوقيت مكة المكرمة

التعاطف الإنساني اللا انتمائي

كوثر الأربش * صحيفة الجزيرة

لا يمكن تفتيت الإيديولوجيات المصمتة القائمة على أنقاض العقول إلا بالآراء المستقلة. لأن الرأي الهارب من قيد التبعية بوسعه فضح تهافت فكرة ما، تضافرَ نسيجها ليحد من الحراك الفاعل للعقلانية.

الرأي الحر المحاصر بالتعسف ربما يفقد الكثير من ملامحه ووضوحه لكن لا يمكن أن يتسم بالزيف.

على خلاف الآراء السائدة التي تتوالد من بعضها البعض دون استلهام الأسئلة واستفاضة الشكوك الضرورية للكشف عن الثغور والنتوءات! ولكن السؤال الحثيث الآن: أين نجد الرأي الحر في بيئة مكارثية تتحين الانقضاض إذا ما لاح لها شبح الاختلاف. فالاختلاف بعبع العقول النسقية التي دجنتها الأنماط.

ما قلته للتو ليس جديداً، فمنذ بداية الثمانينات حين عصفت رياح التصنيف بالمنطقة، مُنشئةً ثكنتين يتواجه فيها الأنا و«الآخر». بترسانة عتادها التكفير والتهم والكراهية والتحريض.

منذها وجدنا أنفسنا متورطين في حالة توجس عارمة ضد الآخر، وأحد ضحايا التوجس المرضي ذاك هو «الرأي». فلم يعد عبارة عن موقف المتأمل مما حوله، موقفه من نفسه، ومن الكون ومن الأحداث الدائرة، إنما أصبح مسرحاً للجريمة تترصدها العيون المتربصة بأي دليل يمكن أن يقودها لتصنيف ما، لتهمة ما! وما قلته الآن - أيضاً - ليس جديداً.

الجديد في الأمر وتحديداً بعد الثورات العربية التي اجتاحت مصر وسوريا وبعض العواصم العربية، أن المكارثية وتبادل التهم تجاوزت الرأي «الفكرة» إلى ما هو أدنى من ذلك، إلى منطقة أكثر روحانية وخصوصية، إلى الشعور والتعاطف. للحد الذي أصبح الشعور الإنساني بالحزن أو الخيبة أو الاستياء والرفض عملية شائكة قد تضع صاحبها فوراً خلف قضبان الإتهام.

حادثة إعدام صدام حسين - مثلاً - كان لها أن تحدد سنية المتعاطف من شيعيته! قتل حسن شحاتة وسحله، إعدام عناصر إخوانية في مصر وأحداث أخرى مستفزة للمشاعر الإنسانية ستكون فيصلاً للبت في مذهبك الديني وتوجهك السياسي فيما بعد.

ففي خضم غموض الأحداث والأيدي الخفية التي تحركها، كما حدث في العراق من احتلال الفصائل الإسلامية بقيادة داعش لثاني أكثر مدن العراق كثافة سكانية «الموصل» في بضع ساعات، ثم فتح الحدود للشام ونقل ما غنموه من أسلحة وآليات ثقيلة للشام، أحداث كهذه خلفت وابلاً من التساؤلات في العالم العربي، ووابلاً من الافتراضات، فتعقدت مسألة التوجس أكثر.

الأمر الذي وضع الموقف الإنساني «المجرد من أي تحيز» يقف حائراً، فإن أبدى تألمه من جراء نزوح 500 ألف عراقي من بيوتهم في الموصل للمجهول، فقد يُحسب مصطفاً مع حكومة المالكي.

وإن أبدى تعاطفاً مع الإنسان العراقي الذي ضج بطائفية المالكي ويده الطولى على البلاد والعباد فقد يحب لصالح مقاتلي الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش»!

فأين سنذهب بإنسانيتنا وسط كل هذه التهم والتصنيفات والأحكام؟

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
Huriyah
[ Qatif ]: 16 / 6 / 2014م - 10:11 م
من يقرأ التاريخ جيدا سيعي كل هذه التساؤلات والأحداث.