آخر تحديث: 2 / 12 / 2020م - 12:27 ص

واحتنا فرحانة! مهرجان الإنسان للإنسان!

فوزي صادق *

بغرة رمضان الماضي، وأثناء مروري بالطريق البحري المسمى شارع الخليج السريع الواقع بين مدينتي الدمام والقطيف شرق المملكة العربية السعودية، لمح أبني خيام كبيرة تنصب أمام البحر، وكأنها أشرعة سفن عملاقة ناطحت عنان السماء وتريد الإبحار من جديد، كرسائل من الأمل والابتسامة من إنسان إلي أخيه الإنسان، وكثوب عروس متلألأ بلؤلؤ البحر تريد القطيف لبسه ابتهاجا بمقدم العيد السعيد.

سألني عنها ”أبني“ فأخبرته إن فريقاً متطوعاً من أهل القطيف الطيبين، من الرجال والنساء أقسموا على العمل سوية من أجل أسعاد الناس بالعيد، وجعله عرس جماعي كبير لأهل المنطقة كافة.. وما إن حل عيد الفطر الميمون، وقمت بزيارة المهرجان بعد المساء، وأثناء دخولي المهرجان رأيت الأطفال يتراقصون فرحاً مع نغمات أمواج البحر المتلاطمة، إنهم يغنون ابتهاجا بمتون حنجرة النوخذة ملك البحر.

قبل الولوج في تفاصيل المهرجان، وتعدد فعالياته، وددت طرح سؤال: ماذا لو لم يكن مهرجان هنا؟ ماهو الشعور العام بدون المهرجان؟ هل هي نفس السعادة والبسمة التي عهدناها كل عام؟ أسأل أبناءك والجواب يكفي.. هل سنصفق للمزيد من المهاجرين بالعيد للخارج؟ هل سنوزع الماء البارد على المصطفين على جسر الملك فهد وهم يتركون بلدنا أيام العيد لقضائه بعيداً عن أهلهم وأحبتهم؟ وصرف المليارات بمكان آخر بكل أيام العيد بالدول المجاورة؟ تخيلوا أحبتي أن بكل مدينة بالمملكة مهرجان بهذه الإمكانيات بأيام العيد، فماهي ردة فعل الناس؟ وماهي الإيجابيات؟ تخيلوا معي رجاء!!

أنا لا أقول إن لدينا فعاليات وإمكانيات وعروض أفضل من عروض جيراننا، وخاصة المدن التي تذوقت طعم الشبق من التحضر والتمدن! لكن على الأقل نقول أن لدينا أناس حاولوا صنع الابتسامة على محيا الجمهور وخاصة الأطفال الذي نكد ونعمل ونعيّد من أجلهم.. سأروي بعض ما شاهدت عند زيارتي المهرجان، والله على مدادي شهيد.

دخلت مهرجان واحتنا فرحانة، فرأيت الابتسامة وحسن الترحيب، رأيت التنظيم والترتيب والجودة، رأيت الرجال بأيدي الرجال، وكأنهم بنيان مرصوص لعمل واحد دؤوب، رأيت بعض الأخوات العاملات يعرفن ما يردن، وهن يشاركن إخوتهم الرجال في صنع الإنسان، رأيت أخواتنا وأمهاتنا وهن يعكسن صورة رائعة من أرشيف الماضي لأبناء الحاضر، رأيت أمي وزوجتي وأبنتي وبنات مجتمعي يحفرن نقش لوحة الحاضر الجميل بمداد الماضي الأصيل، وكيف مضت الحضارة الخليجية بشتى تفاصيلها وطقوسها وتضاريسها حتى الأن، وكيف صنع الرجال والنساء هذا المجتمع الطيب.

فعاليات جميلة تتنافس في صنع كل جميل بقلوب الزائرين، فترى هنا خيمة لتكريم وتشجيع أصحاب الأبداع والإنجاز، وهي متمثلة بجائزة القطيف للإنجاز، وترى هناك خيمة كبيرة لبصمات الفن والتصوير والتشكيل بسيمفونية العطاء، وترى بالقرب خيمة لعالم الحيوان البعيد والقريب بمتناول يديك، وترى أيضاً خيمة لسوق متنوع جميل، به تعرض أخوات لنا صنع أيديهن من مهارات وأشغال يدوية جميلة، ورأيت خياماً كثيرة تحوي العلم والمعرفة والتسلية والمسرح واللعب والمسابقات، ورأيت خيمة لفت انتباهي ما يجري بها من مسابقة لأجمل توأمين، ورأيت متحف عتيق داخل المهرجان، وهو البيت القطيفي، الذي يأخذك بسفرة جميلة إلي ماضي المنطقة العريق، فتجد نفسك وكأنك بماضي بيت دول الخليج العربي عامة، فكلهم شعب وبعادات وتقاليد واحدة، وكأنك تعيش بين أحضان أجدادك، وتأكل مأكلهم، وتشرب من مشاربهم، وتلبس لباسهم، فتضرب رائحة التاريخ على أوتار قلبك وعاطفتك، وكيف دمج زمن الماضي بالحاضر، ولن ننسى ذكر رجال الأمن الحكومي والخاص، بالمهرجان وبالشوارع العامة، والمتعهدين على سلامة الزوار.

الكلام كثير عن مهرجان واحتنا فرحانة الإنساني، لكن لا يمكن ترجمته هنا، وأنا أكتب هذه الحروف، اشعر أنها تخرج من قريحتي وقلبي، وبدون طلب أو مقابل، سوى أنهم أخجلونا في أسعادنا كل عام، ويجب رد جزء من الجميل الذي هو دين علينا، فأدام الله وطني الكريم، وأدام المهرجان السنوي الجميل، فهو عادة إنسانية صنعها الإنسان لإسعاد أخيه الإنسان.

فشكراً لله ثم لإدارة المهرجان على كل شيء، والشكر الموصول للمتطوعين، ولمن يعملون خلف الكواليس، وأتمنى أن تصل رسالتي لكل من ساهم في هذا المشروع الأخلاقي، فالله يحب الجميل، وهل أجمل من صنع السعادة للإنسان.

كاتب و روائي - الدمام