آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 6:09 م

سلّم الأولويات في حياة الفرد

ياسين آل خليل

عزيزي الشاب.. اليوم بوصلتي تتجه نحوك. إن تسألني لماذا! فإجابتي بدون تملق هي «حبي لك في الله». ربما تأخرت كثيرا قبل أن أتخذ القرار بمخاطبتك، لكن أن أقرر اليوم وأفعل خير من أن تراودني الفكرة دون أن أعطيها أهمية تذكر.

عزيزي الشاب أنت بالنسبة لي معادلة صعبة بل لعبة شطرنج لا يقدم على التقرب منها إلا من يمتلك الذكاء والفطنة والشجاعة والدبلوماسية والقدرة على المناورة. وأنا بكل تواضع لست بارعا في معظم ما ذكرت. فإن تمكنت من التأثير عليك ولو بنسبة قليلة فقد فزت أنت، وإن فشلت في التوصل إلى مبتغاي فقد خسرت أنت أيضاً، لأنك الهدف المنشود من وراء كتابتي لهذه السطور، وإن طلبت جزاءا فجزائي أرتجيه من رب كريم.

أنا سأبدأ حديثي معك بسؤال بديهي.. متى آخر مرة أخذت فيها سيارتك الى الورشة لإجراء بعض الصيانة التي وجدتها لا تحتمل التأخير؟ قبل أن تتخذ ذلك القرار، ما الذي دفعك لأن تجري تلك الإصلاحات في ذلك الوقت بالذات؟ ألا يمكن لتلك الصيانة مثلا أن تنتظر عاما آخر؟ ألا توجد هناك أمور أخرى تحتل مركزا متقدما على أولويات أعمالك تنتظر دورها للإنجاز؟ أنا لن أقفز من مكاني هذا لأكون المنسق لأعمالك، فما حك جلدك مثل ظفرك.

بعد هذه المقدمة اسمح لي عزيزي الشاب أن أسألك سؤالا آخر، لكن هذه المرة لن يكون متعلقاً بسيارتك لأني شبه متأكد بأنك ملم بذلك الجانب المهم من حياتك. ما يقلقني أن تكون هناك أشياء تخصك هي أكثر أهمية من السيارة لكنك لم تولها تلك الأهمية. دعني أدخل مباشرة إلى أهمها، وأي شيئ أهم من نفسك وذاتك.

تسألني.. ما علاقة سيارتي بذاتي..؟ وأنا أرد عليك يا عزيزي كل منا يحتاج بين الحين والآخر أن يراجع ذاته ليكتشف تلك المناطق من شخصيته والتي لحقها بعض الإهمال جراء انشغاله بتلك الأمور الحياتية الأخرى والتي تأخذ الوقت والطاقة والكثير من العناية، لا لأنها أكثر أهمية من غيرها، لكن بسبب التداخلات التي فرضت نفسها فأخذت موقعا مهما أكبر من حجمها مما جعلها تتصدر مكاناً متقدما في جدول أولوياتك.

متى لفت أحدهم انتباهك لأمر مهم في شخصيتك يحتاج إلى تعديل أو تبديل ولم تعر له أي انتباه؟ يا ترى لو كانت تلك الملاحظات تتعلق بسيارتك ألم يكن لها وقع أكبر يجعلك تأخذها بعين الإعتبار لتضعها على لائحة أولوياتك وليتم تعديلها بأقرب وقت. أرجو أن لا تسيئ فهمي فأنا لا أقلل من أهمية العناية بالسيارة لأنها راحلتنا على مدار الساعة وعلينا أن نعطيها حقها من العناية، إما أن تفوق العناية بها عنايتنا بأنفسنا فهذا ما يحتاج إلى وقفة تأمل.

لماذا التفاعل يكون ذا وقع منخفض عندما يكون الأمر يتعلق بشيئ يمس شخصيتنا وكأنها تلك المدينة الفاضلة والتي لا يعتريها نقص! التغيير ليس بالأمر السهل، لأنك حتى تصل إلى درجة الإيمان بأن هناك أمر ما يحتاج إلى تغيير فإن ذلك بحد ذاته يحتاج إلى شجاعة، لأنك بذلك تكون قد تخليت عن بعض من كبريائك لتعترف بأن هناك خلل ما يحتاج إلى تصحيح.. تماماً كما اكتشفت أن بسيارتك شيئا ما يحتاج إلى صيانة فأخذتها إلى الورشة. نحن كبشر يجب أن نحتل الموقع الأول في سلم ألأولويات لأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تحتل مقتنياتنا تلك المكانة الفائقة من الإهتمام في الوقت الذي نكون فيه خارج محيط الأهمية.

وصولك عزيزي الشاب إلى تلك المرحلة المتقدمة من شفافيتك وصراحتك مع ذاتك، وتسليمك بأنها نفس بشرية قابلة للعطب وأنها ليست بأي حال من الأحوال محصنة أو معصومة من الزلل، بل لديها تلك القابلية أن تزيح عن جادة الصواب وتقع في المحضور، هذا بحد ذاته إنجاز كبير من جانبك لأنه لا يمكنك بأي حال من الأحوال أن تنتقل إلى مرحلة الإصلاح دون تحديد الخلل وموطنه. أنا لن أطيل عليك لكن الحديث معك ذو شجون وله بالطبع بقية.. إلى لقاء آخر.. وأجمل الأمنيات