آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 5:12 م

عولمة الرمز «الحسين ع نموذجا»

رائد أنيس الجشي *

ونعني به إخراج الشخصية من حالة الوصف والتعداد لسيرته التاريخية وجعله رمزا لقيمة ما في نصوص أخرى لا تمس به أن يكون اسمه فقط دلالة لسيرته أو تتحرك سيرته دون اسمه في جسد النص الادبي وتستفيد منه دون أن تشير بشكل مباشر إليه وسأعرض إلى أنساق الكتابة وأنماطها في تناول الشخصية التاريخية حتى أصل إلى أحدث الأنماط المتداولة والتي يبشر بها في الكتابة

وسأركز حول الصورة في صناعة النص واخترت الحسين نموذجا لأن أثره على الأدب ظاهر في آلاف القصائد منذ أكثر من 1300 عام وما زال يتجدد مع كل رأس سنة هجرية جديدة والتي تصادف ذكرى مراسم عاشوراء

1/ ثقافة بصرية / سمعية - نظم السيرة

هذا النمط بدأ مع استشهاد الحسين وعودة السبايا الى المدينة منذ نص بشر ابن حدام

الارتجالي60 هـ جرية

«يا أهل يثرب لا مُقامَ لكم بها

قُتل الحسينُ فأدمعي مدرارُ

الجسمُ منه بكربلاء مضرَّجٌ

والرأسُ منه على القناة يُدارُ»

ومن الواضح ان ثقافة النص لا تتعدى مسألة المشاهدة الوصفية او السماعية لتسجيل الموقف وإشعال العاطفة

وما زال هذا النمط مستمرا إلى الآن في القصائد المناسباتية إلا أنه فقد خاصية التأريخ الأولى واتجه ناحية السرد المنظوم الذي يحاول تحريك المشاعر ويناسب جمهور المنصة حتى دون الاشتغال على الصورة

مثل

«هو الحسين واخته الحوراء

وأبوه حيدر أمه الزهراء»

وهذه النصوص تحافظ على ماضيها ولا تتجاوزه للحديث عن الحاضر أو تشير إليه

ولا تتجاوز ذات المكان «كربلاء»

2/ الحسين المعنى /خدمة الأجندة

القصيدة عبارة عن شقين منفصلين تماما، شق يتحدث عن الحسين أو عاشوراء ثم قيمة دلالية كرفض الظلم مثلا وشق يتحدث عن أجندة خاصة بالشاعر سياسية مثلا مشابهة للقيمة التي ركز عليها الشاعر مثل قصيدة النواب بين السماوات ورأس الحسين التي تتناول في مقاطع منه شخصية الحسين وتتكثف الصور جمالا ودهشة بها ومقطع سياسي آخر تخبو به كثافة الصورة لتليق بهدفيته وتقل شاعريته بشكل باهت

يقول مظفر وهو في جزء قمة شاعريته «فضة من صلاة تعم الدخول

والحمائم أسراب نور تلوذ بريحانة أترعتها ينابيع مكة أعذب ما تستطيع

ولست أبالغ أنك وحي تواصل بعد الرسول» ونص مظفر يتجاوز الأنماط الكلاسيكية الرائج في الاحتفالات الدينية ككليشة

«1 - غزل أو حكمة ذاتية 2 - الحديث عن الحسين وعاشوراء 3 - الخروج عن الحسين لموضوع سياسي أو اجتماعي 4 - العودة إلى الحسين مع توضيح قصور الشاعر عن بلوغ الوصف المطلوب لمقام الحسين العالي 5 - ختم النص ببكائية رنانة» يتجاوزهم ويحافظ على لياقته بالأداء المسرحي وحضوره القوي على المنصة

3/ الحسين وشخصيات التاريخ

والنص هنا قائم على المقارنة مع الشخصيات المؤثرة تاريخيا مثل الأنبياء والرسل كتشبيه الحسين بالنبي يحيى لأن كليهم قطع رأسه أو بموسى مثلا حيث تصادف ذكرى معجزته في فلق البحر وخروجه امنا من مصر في الخامس من محرم» حسب بعض المصادر كما بقصيدة السيد الحلي

«خرج الحسين من المدينة خائفا

كخروج موسى خائفا يتكتم

وقد انجلى عن مكة وهو ابنها

وبه تشرفت الحطيم وزمزم»

4/ القصيدة الخالصة

في كل أنماط القصيدة التي تكتب في الحسين تكون الابيات الوجدانية او الحكمية منفصلة في لغتها ومفرداتها عن سيرة الحسين، أما في القصيدة الخالصة فهي مقيدة في كل تركيباتها بلغة الممدوح او المرثي اقول

«خط الشهيد على قلبي وفي جسدي

خط الخلود على العشاق للأبد

وخير لي مصرع والروح ساحته

أشتاق لقياه شوق الأم للولد»

ورغم غياب مسمى الحسين ورغم ان الأبيات تتكلم عن محبة الشاعر للشهداء الا ان الاقتباسات من خطبة الحسين واضحة في الأبيات فهي تحيل الى الخطبة ولا تتحدث عنها ففي الخطبة يقول الحسين ع: خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة وخير لي مصرع أنا لاقيه»

وهذا النوع من النصوص هو محاولة للتغلب على اشكالية واضحة في قصيدة المناسبة الاعتيادية وهي قابليتها لأن تكون صالحة لكل ممدوح بعد ابدال اسماء الاعلام في الغالبية العظمى من أبياتها فهي أي الخالصة تحيل الى ممدوح واحد فقط حتى لو لم يذكر اسمه في كل اجزاء النص

5/ الأسطورة في خدمة الحسين

وهنا تتدخل الاساطير والخرافات في نسج النص وتتمرد على نسقية الديني ويشبه المقدس بالاسطوري

مع ذكر اسمه او بدون ذكره محاولة لعولمة الرمز وكانت جزء من تجربتي «ولكنه الشمس» اقول

«وكالإناء السومري تموت عطشانا ومن كفيك تمتد الحياة إلى الحياة جذورا» وهنا يشبه الشعر الامام الحسين برمز في حضارة سومر العراقية القديمة وهو عبارة عن اناء معداني براق ينبع منه نهرين جهة اليمين واليسار وكما ان الاناء معدني لا يختزن في تركيبه الماء «عطش» الا انه منبع الماء الحياة للاخرين

6/ الحسين الرؤيا لا يحتكر

وهنا يركز الشاعر على الجوانب الانسانية في الحسين ويقدمها شعرا كأنموذج يجب ان بحتذى

وفي هذا الجانب كتب الشعراء المسلمون وغير المسلمين حتى الهندوس يقول جاي سنغ

«لنا نحن المذنبون هنالك مثال هو «الحر»

قضية الحسين أرجعت «الحر» إلى الحقيقة

المسلمون قرؤوا مسيرة الرسول

والهندوس كانوا قبلا قرؤوا مسيرة الحسين»

والحر كان قائدا عسكريا مقدرا في الطرف المضاد للحسين ومع بدأ المعركة وضع الاغلال على يديه وتوجه لمعسكر الحسين طالبا الصفح منه والمقاتلة حتى الموت بين يديه مفضلا الموت مع قضية يؤمن بها على الانتصار والحياة مع قضية لا يؤمن بها وهنا يكون النص عادة خارج عن الزمان والمكان ويليق لأن يكون رؤيوي وعالمي

7/ الحسين الرمز

وهو من الانماط المعاصرة ويستخدم اسم الحسين او اسم من يرتبط به ليدل على صفة ما كالشجاعة او الاباء او رفض الظلم مثلا ويكون لبنة من لبنات النص لا موضوعا للنص كما في قصيدة نزار قباني

«سميتك الجنوب يا لابسا عباءة الحسين»

وأقول مستحضرا الحر الرياحي

في نص يحتفي بالإنسان الخطّاء

وفلسفة الارادة ل «بول ريكور» بين السيرة والأسطورة

«لأملك أقيادا كالحر رياحي الروح ولا عفوية أنكيدو»

وهنا الحر فقط يظهر ولا يذكر الحسين ومع ذلك فالحسين حاضر لصورة غير مباشرة لدلاة الحدث

كون القضية المشهورة للحر هو ظلمه للحسين ثم طلبه العفو منه في لحظة يتيقن هو بانه سيموت لا محالة حين ينصر الحسين

8/ غياب الاسم حركية السيرة

وبالتالي فان التطور المتوقع الذي اتمنى ان أراه كتنوع في الكتابة الادبية الدينية هو غياب المسميات والانتصار للنص بحركية السيرة وحركية وهيها في نص يستهدف الحديث عن الحسين او عن اي موضوع اخر يتقاطع جزئيا مع قيمة من قيمه وهذه الخطوة تتجاوز عولمة الرمز الحسين الى عولمة سيرته ومع أنه ثمة محاولات بسيطة تلمح في نصوص بعض الشعراء المولعون بعشق السيرة وامررها كتجريب في التغريد مع تلمغردبن والذين تجاوزوا مرحلة المنصة الى مرحلة المقطوعة الأدبية. وفي مقطوعة الحر يتحرك الحسين كجلجامش في الحضور والغياب ويصبح الاسطورة الغير معلنة وكأن الشعر يريد ان يقول ان الحسين قيمة انسانية اكبر من الزمن الذي ظهر بها ليتجاوز سيرة من ولد قبله أو بعده.