آخر تحديث: 8 / 8 / 2020م - 6:46 م  بتوقيت مكة المكرمة

ثقافة العقل النقدي المغيبة

كميل آل جميع

لعلهُ من غير الخفي على أحد، أهمية التفكير النقدي البناء، وما ينطوي عليه من نتائج مثيرة ومذهلة تساهم في سبر أغوار العلم والمعرفة بشتى ميادينه وحقولها، فأول شرارة لإكتشاف أسرار وخبايا هذا الكون وتجلياته هو الشكْ ويليه مباشرةً السعي نحو الحقيقة ومن ثم تحليل هذه الحقيقة وإخضاعها للتمحيص والتدقيق في سبيل إدراجها ضمن دائرة اليقينيات مع وجود الإحتمالية فيما بعد في أن يتم تكرار ما حصل من سيناريو الشك والإرتياب وحب الإستكشاف لذات هذه الحقيقة لتمر مرة أخرى بتلك الدوامة العاصفة، فإما أن تعود إلى مكانها حقيقةً مؤصلة ومعمقة وأكثر رسوخاً مما سبقها أو أن تبقى عائمة مجهولة الهوية ويتم نكرانُها مع مرور الزمنْ. إن حالة الشك التي تعتري الفرد جراء أي ظاهرة من ظواهر هذا الكون وجراء أي حدث أو مقولة يتم طرحها وتداولها هنا أو هناك، هي نقطة البداية نحو إكتشاف الحقيقة أو على الأقل بلوغ القناعة اليقينية للحيلولة دون تزايد الشكوك وعلامات الإستفهام حول حقيقة ما. فنحن بحاجة ملحة لتشجيع مختلف فئات المجتمع صغاراً وكباراً، رجالاً ونساءاً، شباباً وكهولاً لاستظهار ثقافة العقل النقدي وبلورتها لنتمكن من تنقية المجتمع من كثير من الحالات والظواهر الدخيلة، والمفاهيم الدينيةالجوفاء والطقوس أوما يسمى بالشعائر التي صُبغِتْ بصبغة دينية مقدسة حتى بات الكثير من علماء الدين يطرحونها علناً عبر كافة الوسائل المسموعة والمقروءة. وكما هو سائد في مجتمعاتنا الإسلامية التقليدية التي تغلُبُ عليها النزعة التلقينية فيما يتعلق بالثقافة الدينية ونشرها بين أوساط الناس فالمدراس وحتى والحوزات الدينية تطغى عليها النزعة التلقينية المحضة، ولا أبالغ إن قلت أننا لا نسمع كثيراً عن أستاذ في مدرسة أو حوزة أو جامعة قد اعتاد على مناقشة أفكاره أو أدلته وتشريحها أو دحضها من قبل الطلبة أو الجمهور لأنهم لم يؤقلموا هؤلاء على ثقافة العقل النقدي ثقافة الشك والتساؤل والتغلغل في ثنايا المفاهيم والرؤى بغية الوصول للحقيقة والقناعة والإطمئنان بصحتها أو بطلانها. بل اعتاد ”اقولها وبكل أسف“ الكثير من رجالات العلوم سواء الدينية أو غيرها على إيصال الأفكار على أنها مقدسة ومحكمة الصياغة ولا يمكن ردها أو النقاش فيها. وفي هذا الصدد، لازال يرتسم في ذهني مشهداً بسيطاً يعكس واقع المقال حينما كنت في صفوف المرحلة المتوسطة وطلب منا مدرس اللغة العربية التدرب على إعراب جملة من القصائد التي تحوي كماًهائلاً من المفردات العميقة فسأله أحد الطلبة عن الفوائد المستقبلية لذلك، فكان الرد منه غيرلائقولم يستجب لرغبة الطلبة في تسهيل ما هو مقرر عليهم من الإعراب، في المقابل وفي هذه الأيام أحد الطلبة الأمريكان يستوقف الدكتور في أثناء المحاضرة حينما طلب منا حفظ بعض المعادلات والقوانين لاستخدامها في الإمتحان، سائلاً أياه عن الفائدة المرجوة من وراء ذلك في ظل توفر هذه القيم والمعادلات على صفحات الإنترنيت والتي يمكن استدعاؤها في أي لحظة، فما كان للمدرس إلا أن يستجيب لإرادة هذا الطالب ويقرر بكل رحابة صدر ولين عريكة إرفاق هذه المعادلات مع الإختبار. نعم نحتاج لثقافة العقل النقدي المتحرر من كل سطوات وقيود المجتمع والماضي هذا العقل النقدي هو من أوصل الحضارة الغربية لما هي عليه وبتنا مستهلكينلماتنتجه تلك الحضارة، العقل النقدي هو عقل استكشافي مندفع تماماً نحو الخلق والإبداع وإنتاج معرفة تمكننا من تحسين أوضاعنا في هذا الكون، ورفض كل ماهو متصادم مع مبادئ العقل والتشكيك فيه حتى تثبت صحته، على عكس العقل الإتباعي الذي تسبب في ركود وجمود المسلمين وحضارتهم حتى يومنا هذا فهو عقل قائم على الإستدلال والتقديس والتكرار وتغييب محورية الفهم والمغامرة والإنتاج.

أقول وبكلمة واحدة، لابد لنا جميعاً من ترسيخ النزعة النقدية الهادفة وتحريض مجمل فئات المجتمع وعلى وجه التحديد الجيل الصاعد من الشباب لإعمال عقولهم، وتحريكها وإثارة الأسئلة دائماً وأبداً إزاء كل ما يُثار عبر المنتديات والمتلقيات العلمية والثقافية في الجامعات والحوزات في المدارس والمساجد مهما كانت قداسته فالتساؤل وحب الإستفهام في ظني المتواضع، هو المفتاح لمعالجة الكثير من تعثراتنا وتخلفنا وتشبثنا بالفكر الماضوي وعلائقه البالية والغابرة.