آخر تحديث: 27 / 5 / 2020م - 11:23 م  بتوقيت مكة المكرمة

لتفادى تداعيات الإعلام العربي.. ومواقفه المتباينة تجاه قضايانا المصيرية

إذاعة وتلفزيون للجامعة العربية.. فكرة طموحة هل تتحقق..؟

أحمد علي الشمر *

لاتزال قضية تداعيات الإعلام العربي فى ظل فوضى الأحداث العربية الراهنة، تعد كأحد القضايا الهامة التى تواجه العرب حاليا، وأيضا منذ حقبة ليست بالقصيرة، نتيجة لعوامل كثيرة لسنا الآن بصددها، ولكن من أهمها فى تقديري المتواضع، هوالتشردم والتباين فى عدم وضوح الرؤيا الإعلامية والغموض فى طبيعة سياسة المواقف العربية، ليس فقط تجاه الأزمات والأحداث السياسية العربية والعالمية، ولكن أيضا فى مايمس الكثيرمن قضايانا الثقافية والفكرية والإجتماعية.

وهذا لاشك يبين الحاجة إلى ضرورة إتخاذ القرارالسياسي الموحد للعمل الإعلامي المشترك، ففى ظل غياب العمل الإعلامي المؤسسي الحقيقي، بكافة تفاصيلة، وبما فى ذلك الحصول على المعلومة الصحيحة والدقيقة التى يريدها المواطن العربي.. يصعب اليوم الحصول على معلومة واضحة ودقيقة مائة بالمائة من أية وسيلة إعلامية عربية مهما حاول البعض القفزعلى هذه الحقيقة للأسف..!

ففى واقع إستمرارهذه السياسة الإعلامية العربية، وفى ظل غياب الكثيرمن التشريعات الإعلامية العربية الفعالة، للعمل الإعلامي العربي المشترك، التى من شأنها تشريع قوانين وأنظمة جديدة وموحدة للإعلام والعمل العربي، بحيث يجسد ويترجم طبيعة الموقف العربي الموحد، لمختلف المواقف والتوجهات والقضايا العربية محليا وإقليميا ودوليا، وخاصة ما يخدم المواطن عبرنقل المعلومة والصورة والصوت والموقف العربي بشكل عام ودقيق وواضح، كموقف وصوت واحد.

أقول مع إستمرارأزمة هذه التداعيات، وفى ظل هذه الضبابية وغياب مثل هذه الأنظمة والتشريعات المحددة للموقف الإعلامي العربي الموحد للكثيرمن القضايا، ومايرافق ذلك من مواقف تنم عن تجاهل المواطن وتغيبه من دائرته، وهذا لاشك نتيجة حتمية لغياب القوانين والتشريعات الإعلامية العربية الفعالة.. حول تشريع إنظمة جديدة تلبي وتسايرمستجدات العصرواحتياجات المواطن لهذه النوعية المتميزة من الخدمات التى تضعه بعين الإعتبار، وتكون على قدركبيرمن الكفاءة والأهلية لمواجهه التحديات والمخاطر.. أقول أنه فى سبيل تجاوزوتفادي هذه الأزمات التى يواجهها الإعلام العربي فى تدني مستواه وتشتت رؤاه، لخروجه من دائرة هذه العقد المتخلفة وإستعدادا لإحداث نقلة نوعية له، فلابد من وجود آلية بديلة لإمكانية إنعاشه ونقله من هذا الروتين الملل، إلى الدائرة الأوسع التى تعبرعن آمال وطموحات المواطن العربي، وإبرازه دوره كإعلام عربي ناهض وبصوت إعلامي عربي مشترك وموحد، كي يقوم بدوره الحقيقي والهام فى خدمة القضايا العربية، وخاصة فى هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ الأمة العربية، وبحيث يتمكن على الأقل من تحقيق ولوجزئية قليلة مشتركة لملئ الفراغ فى هذا الجانب الإعلامي، الذى يعوض فى أقل التقاديرعماعجزالعرب عن تحقيقه فى أحلامهم الكبيرة، بوحدة عربية مشتركة سياسيا، فلا أقل من أن يتم العمل باتخاذ خطوة هامة ومتقدمة على صعيد العمل الإعلامي العربي المشترك فى المجال الإعلامي تتبناه الجامعة العربية، وذلك بإنشاء «هيئة عامة للإذاعة والتلفزيون العربي المشترك» يكون خطابها موحد وناطق بثلاث لغات هي - العربية والأنكليزية والفرنسية - وهي خطوة عملية جبارة، وعلى قدركبيرمن الأهمية والضرورة، لتوحيد ونقل الصوت والخطاب العربي، من مصدرواحد ليس للعالم العربي فحسب، وإنما إرسال بثه عبرالفضاء الإعلامي العالمي، للناطقين بهذه اللغات الثلاث التى تشكل اليوم، أهم المصادرالحية للعلوم والتقنية، ولغة التخاطب والخطاب السياسي والإعلامي الحديث فى عالم اليوم.

وأعتقد بأن إمكانية العمل على تحقيق هذه الخطوة الهامة، ستكون نقلة تقنية جبارة وهائلة فيما لوتحققت، وستعتبرسابقة إعلامية مفرحة للمواطن العربي، كما ستعد أيضا تتويجا إعلاميا رائدا للنهضة الإعلامية العربية، ونقلة نوعية هائلة ومتطورة لصالح الإعلام العربي والعرب جميعا، ولتاريخ وصعيد العمل العربي المشترك، بجانب كونها إنجازاهاما وفريدا للأمة العربية ستكون لها آثارها الإيجابية الملموسة فى المحيطين العربي والعالمي، وبالتالى ماسوف يتبدد بإنجازها وظهورها إلى العلن وحيزالوجود، من جهة أخرى بعضا من إحباطات المواطن العربي، فيما يختلج نفسه من مشاعرالغضب واليأس والقنوط تجاه آماله وأحلامه المبددة من قبل الأنظمة العربية فى كثيرمن القضايا، إضافة إلى التقليل من رتابة العمل والدورالسلبي المعروف، لأعمال وممارسات الجامعة العربية، وهذا العمل بالطبع فى حال تحقيقه وإنجازه، ليس بكثيرعلى أمة بحجم الأمة العربية، التى تمتلك من الإمكانات والثروات والطاقات المادية والمعنوية والبشرية، بما يؤهلها ليس بإنشاء وتأسيس إذاعة وقناة فضائية إعلامية موحدة فقط، وإنما بإنشاء وتأسيس الكثيرمن المؤسسات والهيئات والقنوات الداعمة للجهد العربي المشترك، والتى تصب لصالح وخدمة ومصلحة المواطن العربي فى مختلف المجالات، وفى سائرأرجاء الوطن العربي الكبير.

والحقيقة المؤسفة أن الجامعة العربية ممثلة بأنظمتها ولوائحها الداخلية، وبمافي ذلك مجلس وزراء الإعلام العرب، قد غاب عن تفرعات أنظمتها وقوانينها وأعمالها، الكثيرمن الفعاليات والأنشطة والممارسات الهامة التى تصب فى كل مايخدم جوانب مصلحة المواطن العربي تحديدا.. ولعل منها هذه الرؤية الحصيفة والحيوية فيمايتعلق بالميدان الإعلامي، الذى يرتبط بالمواطن العربي مباشرة، وهوإنشاء هذه المؤسسة الإعلامية الهامة للإذاعة والتلفزيون، تكون ناطقة بإسم الجامعة العربية، وممثلة للمواقف والآمال والطموحات العربية، تجاه مجمل وكل القضايا العربية فى الداخل والخارج.

ولاشك بأن الظروف العصيبة القاسية التى تمربها الأمة العربية اليوم، لهي أهم مرحلة تاريخية خطيرة تواجه العرب، وهي فى أشد ماتكون للحاجة إلى مثل هذه النافذة المطلة على العالم العربي والفضاء العالمي، وأظن أن خيرشاهد على ذلك هوماشهده ويشهده المواطن العربي سابقا ولاحقا وحاليا، وخاصة مايتعلق منها بقضايا الإرهاب والتطرف والمواقف العربية الملتبسة من هذه القضايا، وكذلك الأحداث الأخيرة للحرب الإسرائيلية التى شنت على غزة، وما جرى خلالها من التعتيم والصمت الإعلامي العربي المطبق، إضافة إلى المعاناة المستمرة فى عدم وضوح الرؤيا الخاصة بملامح المستقبل لمعظم القضايا العربية كما ذكرت، ومن بينها القضية المحورية «القضية الفلسطينية» والحروب الطاحنة فى المنطقة العربية والحرب المدمرة التى شنت على غزة نموذجا، وهي ليست آخرها من هذه القضايا كما يبدو..!!

وكنتيجة لهذا الفراغ الإعلامي أيضا، قد أصبح المواطن العربي صيدا ثمينا للوقوع كفريسة سهلة، للكثيرمن المصادرالإعلامية غيرالآمنة، واضطراره بالتالى للجوء للكثيرمن وسائل الإعلام الأجنبية، ووسائل التواصل الإجتماعي والشبكات الإعلامية المتباينة التى تصطاده ليستقي منها مصادرأخباره ومعلوماته، برغم مايكتنفها من غموض وتباين، فى ألوان ومواقف أهدافها وتوجاتها المريبة، من التشويه والأكاذيب والإشاعات والقصص الملفقة والمضللة، التى قد لايعلم أهدافها ولايعرف من هم أصحابها، ومن أين تستقى مصادرها..؟!

وأعتقد أنه من السخرية، هوأن يلجئ المواطن العربي لاستقاء مصادر معلومات وأخبارقضاياه المحلية والعربية، بمضامين معلوماتها غيرالدقيقة، خاصة لمصادرها الحقيقية الموثقة والدقيقة لبلده، من مصادرالإعلام الغربي وبعض المصادرالإعلامية الأخرى، التى لايثق ولايعرف بمدى مصداقيتها، وتحديدا فى ظل التعتيم والتكتم والتباين والمواقف غيرالواضحة وقلة وشحة المعلومة، وانعدام الإحترافية والموثوقية فى نقل وتوظيف العمل الإخباري والتقريري والإعلامي بصفة عامة، لمعظم مصادرالأخباروالتقارير، الصادرة عن وسائل الإعلام العربية..!

لذلك أعتقد مرة أخرى بأهمية ظهورهذه الهيئة، مؤكدا فى الوقت نفسه، بأن من ضرورات ومهام منظومة وآلية العمل بتشريعات إنشاء مثل هذه المؤسسة المقترحة، هوأن يكون مجال عملها شفافا وأن يكون إهتمامها منحصرفقط فى دورومهام النشاط المنصب على الجانب الإعلامي الإحترافي المتخصص فى هذا الشأن، ووفقا لمعطيات أنظمتها كمؤسسة أوهيئة إعلامية حرة مستقلة، تحترم القيم الإسلامية والإنسانية والأخلاقية عموما، ولاتخضع لأية رقابة أوسلطة أوبالظروف والأحوال الطارئة أوالمواقف التى تمربها العلاقات والتوترات السياسية، بين جميع الدول العربية التى تؤثرعلى منهجية خطها الإعلامي المستقل، ومهما كانت الدوافع والأسباب، مؤكدة على طبيعة نهج إستقلالها الحيادي الحروالنزيه، كصوت عروبي موحد ناطق بإسم العرب جميعا، وممثلة كهيئة إعلامية عربية متفرعة من الجامعة، ولكنها إستثناء تعطى لها هذه الصلاحية من قبل «القادة العرب» من أعضاء الجامعة، مع التوضيح بأن يكون هذا البند الإستثنائي منفردا أوملحقا ضمن أنظمتها وسياساتها ولوائحها التنفيذية، كجزء من ضمن أجزاء ولجان وهيئات الجامعة العربية ذاتها.

وأما مواردها المالية فتكون مشتركة عربيا لأعضاء الجامعة، فيما يكلف بإدارة شؤنها الإشرافية والإدارية، فهومن الإفضل هنا هوضرورة تكليف إلحاق إشرافها الكامل لمسؤلية إدارة أعمالها للأمين العام للجامعة، فيمايتم إختيارالمشاركة فى مجمل أعمالها وأنشطتها الإعلامية، من قبل العديد من الخبرات والكفاءات الإعلامية العالية التأهيل، من مختلف أقطارأعضاء الجامعة ذاتها أيضا.

وينبغي التشديد والتأكييد فى مضمون موضوع هذا العمل الإعلامي، بأن يكون محتوى نهج عمله، هوالنهج الإحترافي المهني البحت والشفاف، المبني على المعلومة العلمية الراقية والدقيقة لمفهوم الإعلام الإحترافي الصحيح.. وفى هذا الشأن يجب أن يتم تجيهزها وتزويدها، بأحدث وأرقى المعدات ووسائل التقنية الحديثة التى تواكب التقدم العلمي فى العالم، فى مضمارالإعلام والعمل الإعلامي المهني الإحترافي الحديث، وبكافة الإمكانات وأحدث المبتكرات فى نقل الصورة والمعلومة والخبرمكان وموقع الحدث بالسرعة والثقة المرجوة والدقة المطلوبة.

كما وأن تأسيس مؤسسة إعلامية هامة، وبهذا الحجم الكبيرمن التجهيز والإستعداد، فلابد وأن يكون لها من الإمكانات الداعمة المكملة لإنجازأعمالها وخدماتها بالشكل المطلوب والمناسب، ومن أهمها هوإنشاء المكاتب المجهزة بكافة الإمكانات والتجهيزات الفنية اللازمة والعناصروالكوادرالجيدة التى تديرمهامها، فى مختلف الظروف وفى أنحاء الوطن العربي وأهم الدول والعواصم الغربية ومواقع الأحداث الساخنة فى العالم، مع التأكيد أيضا على جميع الدول العربية بإعطاء هذه المكاتب وطواقم كوادرها من الإعلاميين، كافة الصلاحيات والإستثناءات والتسهيلات الممكنة، لممارسة نشاطاتها وخدماتها الإعلامية بشكل مرن وسهل بحيث لايعيق أويعطل أعمالها فى مختلف الظروف.

وأما جوانب أثارها الإيجابية المأمولة، إلى جانب معطياتها الإعلامية على الساحة العربية، فأعتقد أنها كثيرة لعل من أهمها، هودعم وإبرازدورالجامعة، الذى إنكفئ وتراجع فى السنوات الأخيرة كثيرا، لأسباب تتعلق بهيكلية النظام العربي نفسه، كما تشمل الآثارالإيجابية كذلك التعريف بنشاطات الجامعة وفعالياتها ككيان مؤسسي له دوره الإيجابي المفترض فى مجالات التنمية ودعم أوجه المحبة والتقارب العربي بين جميع الأقطارالعربية، بجانب تقديم الكثيرمن البرامج الإعلامية الفكرية الثقافية التوعوية التى تسهم فى تثقيف الشباب العربي، وإلى غيرذلك من الآثارالإيجابية، التى تدعم مهمة الجامعة والدول العربية فى مواجهة الأخطاروالتحديات الإعلامية، فى هذا الوقت الذى أصبح فيه الإعلام من أهم المرتكزات والمحاورالأساسية فى التأثيرالإيجابي أوالسلبي، ودوره البارزخاصة بوجهه الناصع، فى التوجيه الإيجابي فى رقي ونهضة الامة.

وأعتقد أخيرا بأن هذه المؤسسة الإعلامية عند قيامها، وإستنادا إلى الأهداف والتشريعات والصلاحيات القانونية التى تمنح لانطلاقتها، سيكون لها الأثرالكبير والفعال فى نشرالمعرفة والإنفتاح، والإسهامات الإيجابية الأكثرشفافية ووضوحا على المواطن العربي، وأيضا تقديم الكثيرمن الرؤى الجديدة، لآمال وطموحات المواطن العربي، وخدمة ودعم القضايا العربية فى مواجهة الأخطاروالتحديات التى تتعرض لها الأمة العربية.

كاتب ومؤلف سعودي «سيهات»