آخر تحديث: 18 / 9 / 2019م - 12:37 ص  بتوقيت مكة المكرمة

ولدي معاق.. سأقتله

حسين عبد الله الجعفر

ولد معاقاً لم اتوقع أن يكون كذلك والحيرة احتوتني وشلّت تفكيري ماذا وكيف ولماذا؟ تبددت فرحتي واعلنت الحداد بين نفسي والحزن يلتف على وجهي فيعصر مسماتي حتى اكاد اختنق ابحث عن هواء، لم ابحث له عن اسم والاسم لن يتمناه سيرفضه انه معاق وماذا يفعل اسماً في معاق لا يستطيع تحريك رجليه وملامحه.. ارجوكم اعفوني من الوصف.. لم أعقّ له شاةً واصدقائي لم اخبرهم بذلك إلا بعد مضي 6 شهور، نظرات أقاربي تزعجني وتألمني حتى أكاد ان اقتله وتمنيت كذلك، تمنيت لم يأتي إنه الوحيد من الذكور بعد 5 إناث، بناتي يرفضن النظر اليه لا يستسيغون شكله لكنها زوجتي الوحيدة التي احتضنته لم أقبّله يوماً من الأيام ولم أحمله حتى انني لم أؤذن في اذنيه نعم لقد رفضته كلياً ولا اعلم سر الرفض وهل هذا تعدي على حكمة الله؟ نعم لقد عارضت الحكمة الإلاهية بتصرفاتي العوجاء لكن ماذا تقولون في أب انتظر من يحمل أسمه وإذا الذي ينتظره معاق لا يقدر على الحراك بل سأكون أنا الذي اتحمّله واعتني به، ياربي رحماك ارجوكم انقذوني، فكّرتُ أخيراً وتوصلت إلى حل.

القتل وما اسهل قتل الاطفال فهم لا يشعرون بحرارة الموت كالكبار، قد تقولون عني قاسي لكن قساوة نظرات المجتمع اشد حرارة حتى من رأس سهم مسموم، فكرت في طريقة القتل في بدء الامر فكرت بقطع الرأس.. يا حرام ماذا حل بقلبك القاسي وما ابشعك، تراجعت وفكّرت ان ارميه في حوض الماء.. ارحم رئتيه الصغيرتين الطريتين لا تجعله يتألم كثيرا ابحث عن طريق اسهل ولا يعرفك أحد.. فكرت في ان اخنقه وهذه اسهل الطرق وبالفعل اخترت الوقت المناسب والطريقة المناسبة واظهرت لوالدته انني احببته وبالفعل اخذته معي الى الغرفة التي اجلس فيها باستمرار كان نائما وهذا ماسهل العملية واخذت بدلة رياضية، آآآه من قساوتك يا قلب هل ستتخلى عن ابنك لكونه معاق؟ مددته على الارض ونظراتي المشمئزة تخرق كيانه ووجوده رفعت البدلة واقتربت بها من انفه الصغير الناعم وفجأة حدث مالم يكن بالحسبان..

مَرّت السنوات وكبُر ابني واصبحت اعشقه عشقاً عظيماً لكن مازال في القلب شئ... اسميته «نادر» فعلاً اصبح نادراً وعظيماً عندما بلغ سنه الخامسة عشر بدأت ملامح النضوج والتميز من خلال الرسم يرسم كل ما حواليه بدقة متناهية عظيمة جداً وكأنها حقيقية، اعجزت رسوماته العقول وابهرتنا فهو لم يتعلم الرسم فكيف يرسم بتلك الدقة؟ سبحان الله لقد اخذ منه شئ ومنحه اشياء فهو لايترك عباده دون ان يميزهم ولا تحسبن المجنون والمعاق لا يملكون القدرة فورائهم اعجاز علينا ان نبحث عنه.. انتشرت سمعة ولدي في اصقاع البلاد واصبح ذات علامة متميزة ولكونه لا يستطيع التحدث بشكل جيد كنت انا المتكفل بالحديث عنه وعن اعجازه واصبحنا ذات شهرة كبيرة ودخلت علينا الاموال من كل حدبٍ وصوب وانشانا لنا بيتاً كبيراً من ثمن اللوحات التي يرسمها وبمساعدة قرض بنكي، وانشأنا له غرفة خاصة وادوات متعددة للرسم وهيأنا له كل ما يطلبه.

ما اقسى الذكريات الأليمة والزمن الذي يأخذ منّا فلذّات قلوبنا ورياحين ابتسامتنا، وصل عمره الى الثانية والعشرين كنت دائماً أنا الذي امسك بعربته اوصله إلى مايريد... بعد ان انتقلنا الى منزلنا الجديد كانت اليوم نظراته نظرات الوداع طلب ان يخرج لوحده للبقالة لشراء بعض مايحتاجه وقال لي بابا ماذا تريد من البقالة؟ ابتسمت وقبّلته على رأسه وقلت له اريد سلامتك، لأول مرة احس انّه يريد البكاء لكنه تماسك وقال سلامتي يا أبي؟؟ إن شاء الله.. لم اكن اعرف ما يصبُ إليه، خرج وتأخر في العودة حتى سمعت صرخات تنطلق من الخارج، فهرعت لتلك الاصوات، رأيت نادر مضرجاً بدمائه وعربته متناثرة جراء الصدمة فرفعت رأسه وإذا به رمق أخير قال: بـ ــا بــ ـــه وصعدت روحه الى السماء والحسرة تعتصر وجداني فتذكرت كيف اردت قتله عندما كان صغيراً ببدلتي لكنه استيقظ شوقال: بـ ــا بــ ـــه.