آخر تحديث: 18 / 9 / 2019م - 12:37 ص  بتوقيت مكة المكرمة

معالجة الأحداث في المملكة.. جامعة أبها مثالا

الشيخ محمد الصفار *

مع بدء أحداث جامعة الملك خالد بأبها في 6/3/2012، وتجمهر أكثر من 7000 طالبة متذمرة من الوضع في الجامعة، هجرت صحفنا المحلية لأنها لا تعكس الحقيقة ولا تحاول الاقتراب منها.

التجأت إلى مواقع التواصل الاجتماعي، والمواقع الحرة على النت لأعرف حقيقة ما حصل من أهل الحدث ومن القريبين منه، فبدأت القراءة وتجميع الأخبار محاولا التحليل والوصول لجوهر الحدث.

صباح يوم الجمعة المنصرم 9/3/2012 دعتني نفسي للاطلاع على الصحافة المحلية، فهي صحافة رسمية، ويمكن للقارئ أن يفهم منها رأي الجهات والمؤسسات الرسمية للحدث، ووجدت تصور الجهات الرسمية لما حدث كما توقعت، فالعديد من الأحداث التي مرت وتمر بها المملكة لا تخرج عن سيناريو معين ومحفوظ عن ظهر قلب، والمواقف والتصريحات التي تصدر عقب كل حدث متشابهة، سواء صدرت من جهة عليا أو دونها، وهنا سأسرد طريقة التعامل المعتمدة في مختلف الأحداث والأزمات على شكل ملاحظات:

الملاحظة الأولى: هناك دائما اعتزاز بالشدة والتهديد والوعيد وتمترس وراء القوة، عميدة كلية التربية والآداب شنيفاء القرني دعت «إلى اتخاذ إجراءات قوية وصارمة وسليمة للحيلولة دون تكرار ذلك مستقبلا» جريدة عكاظ 9/3/2012.

كلام العميدة كمسئولة يتكرر مثله في حوادث كثيرة تقع في المملكة، وهو ببساطة ميل وركون لحل الأمور بشدة وبقبضة حديدية في كل شيء، ومن أصغر مسؤول لا علاقة له بالقضايا الأمنية إلى مؤسسة الأمن ومرورا بكل الرتب والمقامات، ولا يلوح في أفق أي أزمة إلا الحل الأمني والضرب بيد من حديد واتخاذ الإجراءات القوية والصارمة.

الملاحظة الثانية: والواضحة في مختلف الأحداث، هو غياب الحديث عن المعالجات وإصلاح الأمور، وفي مثالنا الحالي، ليس هناك حديث على لسان العميدة عن الثغرات، ولا يوجد مجرد احتمال للتقصير، حاشا لله أن يتسلل التقصير إلى مؤسسة من مؤسسات هذا البلد، كل الإجراءات التي عبرت عنها العميدة بالقوية والصارمة هي فقط «للحيلولة دون تكرار ذلك» كما ذكرت.

ويبدو أن المقصود من «ذلك» هو مجرد إشارة لتجمهر الطالبات ومطالبتهن بأمور بسيطة لا توجد في أبسط جامعات الهند الفقيرة.

المهم هو أن يقف التجمهر ولا يتكرر، وليس المهم هو تقديم الحلول للأمراض التي تفاقمت حتى ولدت الأزمة والتجمهر.

الملاحظة الثالثة: تتعلق باللغة الدارجة على لسان عدد لا بأس به من المسؤولين، هو عدم الجدية في محاسبة النفس والأجهزة العاملة لمعرفة التقصير الحاصل، وكأن كل مسؤول متدرب ومتمرس ومجيد لإلقاء اللوم على الخارج، وعلى الأيدي الخفية، وهنا أقتطف شيئا مما ذكرته الصحيفة أعلاه عن العميدة ذاتها «وأوضحت القرني أن هناك طالبات من خارج الكلية وراء ما حدث، موضحة أن أيادي خفية سعت وراء ذلك».

ليست هناك مطالب لطالبات الجامعة، ولا توجد ملاحظات أو شكايات تقدمن بها، ولا يوجد خلل ربما يكون هو السبب وراء تفجّر الوضع، كلا، إنه مس من الجن، وتدخل خارجي ساهم أو شارك أو دفع بعض الطالبات المحدودات ليفعلن ما فعلن.

هي أياد خارجية إذا ولكنها هذه المرة ليست من خارج الحدود، إنها من داخل الوطن ولكنها من خارج الجامعة، ولا بأس بذلك فالمهم في الأمر هو الرسالة التي يجب أن تصل مع كل حدث وكل أزمة، والمتلخصة في أن هناك محرك من الخارج وكفى، ولا داعي للحديث عن أخطاء وتقصير وإهانة وتعامل سيء، واستهتار بالمواطن، ولعب في ثرواته وخيراته.

الملاحظة الرابعة: هي التناقض الدائم بين روايات الجهات المسؤولة والمعنية بالأزمة بغرض تشويه مطالب الآخرين، تقول العميدة «ولا بد أن يطلع الجميع على السبب الحقيقي، والمتمثل في أن عددا من الطالبات طالبن بالسماح لهن باستخدام النت فى الكلية وإدخال الآيفون والبلاك بيري».» إذا كان هذا هو السبب فأي مصلحة للتدخل الخارجي، هل يعقل أن تأتي طالبات وفتيات من خارج الجامعة ليحصل ما حصل وغرضهن المطالبة بالبلاك بيري والآيفون للطالبات؟ هل يقبل بهذا الكلام أحد؟ وهل يستسيغه متابع للحدث؟

الملاحظة الخامسة: هي التجييش الفاقد للمصداقية والأخلاق لمختلف الأزمات والأحداث، فالأحداث يمكنها أن تستقطب مناصرين، يزيدون أوارها، ويحركونها في الساحة، ويدعون الناس للتفاعل معها، وهو أمر تحسب مختلف الجهات حسابه وتخشاه؛ لأنه يشكل خطرا عليها وعلى مواقعها ومصالحها، ومع وجود إعلام حر عبر مواقع التواصل الاجتماعي فإن خطورة الحدث تزداد وتتسع.

هنا يأتي الدهاء في ربط الحدث بمطالب غير لائقة، وقضايا تجمع غالبية فئات وطبقات المجتمع على ازدرائها وكراهيتها ورفضها ومحاربتها، وهنا يتفق مدير عام الشؤون المالية والإدارية في جامعة الملك خالد في أبها سعد آل عيسى مع عميدة الكلية فيقول «أن السبب الحقيقي وراء التجمهر، هو المطالبة بمزيد من الحريات، وقد أعلنوها أمام الجميع بأن قضيتهن هي ليست قضية نفايات، وإنما المزيد من الحريات، كدخول أجهزة الاتصال «البلاك بيري والآيفون» والحرية في الملبس، وهذا محال في صرح تعليمي وتربوي.» صحيفة الشرق 9/3/2012

بنات الجنوب، بنات القبائل، بنات البيئة المحافظة يتجمهرن ليومين وبهذا العدد ليطالبن بالحرية في اللباس، هل كن يردن لباسا فوق الركبة يا مدير الشؤون المالية؟ أم كن يردن لباسا يكشف الصدر وأغلب الظهر؟ أيعقل أن يتفوه من هو في موقع المسؤول بهذا الكلام المؤذي؟

والجواب نعم؛ لأن المهم هنا هو التجييش ضد الحدث وضد التجمهر وضد من يطالبن بصوت مسموع، وهذا لا يتأتى إلا بالإيحاء للمجتمع أن الغرض من التجمهر ضد عقيدة المجتمع أو قيمه أو أعرافه وليس ضد خطأ ينبغي معالجته.

الملاحظة السادسة: عدم فاعلية لجان التحقيق التي تشكل لتقصي الحقائق؛ لأنها تُشكل من الجهات الرسمية، والمعنية بالحدث مباشرة أو المتهمة فيه، مع الاستبعاد شبه التام لأصحاب الحدث والقريبين منه، وحدث الجامعة لا يشذ عن ذلك، فقد وجّه أمير منطقة عسير فيصل بن خالد بتشكيل لجنة عليا للتحقيق، ولنقرأ في جريدة الوطن «باشرت اللجنة العليا للتحقيق في أحداث فناء المجمع الأكاديمي لكليتي التربية والآداب بأبها، التي وجه بتشكيلها أمير منطقة عسير، الأمير فيصل بن خالد، أعمالها صباح أمس.

وعلمت"الوطن" أن اللجنة التي تضم في عضويتها كوادر من إمارة المنطقة والجامعة وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدفاع المدني وجهات رقابية» 9/3/2012.

لكن أين هم أصحاب القضية؟ أين المحتجات؟ أين الطالبات والمصابات والمتجمهرات وأين الممثلات عنهن؟

الجواب: أصحاب الحدث في كل أحداث المملكة مغيبون، والذي يحل محلهم هي بعض الجهات المتهمة بالحدث وبتطوراته السلبية.

الملاحظة السابعة: هي أن بعض الأحداث تخلف وراءها جرحى ومصابين وأحيانا قتلى، ومع انتهاء الحدث تقف الجهات المسؤولة وقفة محاسبة وتحقيق للبحث عن المتسبب، فتتحمل هي الخسائر البشرية بموت أو جرح أو اصابة حلت بالطرف الآخر، وكذلك الخسائر المادية التي تتعلق بأملاك الناس، وتحاول معرفة المتسبب بأي خسائر بشرية حلت بالجهات الرسمية، أو تخريب وقع على الممتلكات العامة لتلزم من قام بذلك بالتعويض وتحمّل التبعات.

هذا هو الوضع الطبيعي والمعقول، لكننا أمام العديد من الأحداث في بلادنا لا تتحمل الجهات المسؤولة أي تبعة لمثل هذه الحالات.

ومثالنا القائم هو أحداث جامعة أبها، فقد نسبت جريدة الحياة الأضرار إلى مجرد الزحام والتدافع بقولها: «وحدث زحام أدى إلى إصابة عشرات الطالبات، ما استدعى تدخل فرق الإسعاف التي عالجت 31 طالبة في مقر المجمع ونقلت 22 طالبة إلى مستشفيات المنطقة.» 9/3/2012

بينما صرح آل عيسى متحدثا عن الاصابات بين الطالبات «أن عددا من المشاغبات استخدمن مطافئ الحريق ضد زميلاتهن اللواتي رفضن المشاركة معهن، وكذلك خراطيم مياه الحريق. وقال إن هناك طالبات قذفن مشرفات بقوارير الشطة» الشرق 9/3/2012

الملاحظة الثامنة: هي أن تجمهر الجامعة يغيب عنه شيء مهم، لطالما ألفناه في مختلف الأزمات والأحداث وهو الصحفي الذي يبدأ هجومه على الناس ويصفهم بمختلف الأوصاف، دون أن يسأل أو يتحقق، أو ينزل ليباشر الميدان ويتعاطى معه بمهنية واحترافية صادقة.

ربما لأن الأوامر لم تأت بعد، وربما هو انتظار لمعرفة الاتجاه الذي تقبل الكتابة فيه، وربما هو تريث كي يهدأ غضب الناس فينبري قلمه بسمومه وعبوديته، لكنه إلى الآن مشهد ناقص يكسر ما اعتدناه من صحافتنا في كل حدث، وفي اعتقادي لن يطول الانتظار ليستكمل المشهد أركانه وتهب بعض الأقلام والأسماء الصحفية الفارغة والمعروفة بالنيل من كل مطلب ومطالب محق، وإن لم يفعلوا سيكون استثناء يؤرخه التاريخ.

على أي حال أتوقع في قريب الأيام دخول الجهات الدينية على الخط ووصف الطالبات بما لا يليق، ولو بالغمز في قناة الأخلاق والعفة، ليكتمل التجييش ضدهن، ثم معاقبة وفصل من بدأن التجمهر ودعون إليه ليكنّ عظة وعبرة لمن تسول لها نفسها المطالبة بأي شيء.

وأتوقع أن تتحرك بعض الأقلام الصحافية الفارغة والمعروفة لتشويه الحادثة والتقوّل عليها، وأخيرا لقاءات مع أولياء الأمور والفعاليات الاجتماعية لاحتواء ما حصل وإظهارهم بمظهر المعتذر والمنكسر، وربما يمتد الأمر للضغط على بعض الطالبات للاعتذار، كما يتوقع أن يتطور الوضع الى الأسوأ إذا استمر نهج العنجهية وعدم المبالاة بمطالب الناس.

ختاما جميع ما سرد من ملاحظات يمكن أن يطبق على أي حدث في المملكة، والمقولات التي نقلتها عن العميدة أو غيرها يمكن أن تصدر من أي جهة، إنه زمن العجز والإفلاس عن المعالجة، والفساد الضارب في كل شيء، ليبقى الوعيد والتهديد سيد الموقف.

كاتب سعودي «القطيف»